القضية
الثالثة:
عليٌّ وليُّ الله...ووصّيُّ وخليفةُ رسول
الله
المبحث الرابع: الأدلة المنطقية لكون عليّ بن
أبي طالب هو الوصيّ والخليفة المنتظر لخاتم الأنبياء والرسل محمد صلی الله
عليه وآله وسلم
السؤال
المطروح:
١) لماذا عليّ بن أبي طالب بالذات هو الوصيّ
والخليفة
المنتظر
والمتوقع لمحمدٍ خاتم الأنبياء والرُسل؟
٢) وما هی الأدلة المنطقية علی ذلك؟
٣) وهل هذا ضروري وعقلي؟!
٤) ولماذا لا يكون غيره هو هذا الوصيّ المنتظر؟
البحث
المنطقي للإجابة:
١) إن علي بن أبي طالب وهو إبن عم النبي (ص)
وربيبه وزوج إبنته هو الشخص الوحيد الذي توفرت فيه جميع الصفات المتوقعة منطقياً
في الوصي والخليفة المنتظر ، وهو الوحيد الذي إستوفی جميع الشروط المفترضة
اللازمة لهذا الوصي والتي بيناها وأوضحناها وأثبتناها منطقياً في المبحث الثاني من
هذه القضية:
فأولا ً:
شرط الإيمان المخلص: فقد كان علياً
بشهادة الجميع والتاريخ من أصدق أهل محمد وأصحابه إيماناً بالله وبالرسالة
وتسليماً بهم وإخلاصا ً لهم وهذا لا خلاف أو جدال عليه ولا يحتاج أن نسوق عليه
الأدلة فهی ملاء كل كتب التاريخ والحديث والفقه والتفسير ولن نستطيع أن
نُحصيها لكثرتها ولذا فهی حقيقة مؤكدة متواترة لا يشوبها أي شك أو ظن عند
أيٍ من المسلمين وغير المسلمين الدارسين لتاريخ الرسالة الخاتمة واحداثها
وشخوصها. فهذا الشرط إذن متوفر فيه تماماً
وهو مستوفيٍ له إطلاقاً. ويكفينا أنه الوحيد الذي شهد له رسول الله (ص) في حديث
صحيح متواتر بأنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.
ثانياً:
شرط العلم التام والإحاطة الكاملة بكل دقائق وأحكام ومحتويات وأهداف
الرسالة ، فقد كان علياً أيضاً وبشهادة الجميع والتاريخ من أعلم أهل محمد وأصحابه
وأهل الأرض جميعاً بالإسلام وبالرسالة المحمدية الخاتمة...فهو كان فقيهاً متخصصاً
فيها دارساً مستوعباً لها بكل أصولها وفروعها وأحكامها...ولقد أجمع جميع المؤرخين
المتتبعين والدراسين للإسلام مسلمين وغير مسلمين خصومه وأعداءه قبل محبيه وأتباعه
علی توفر هذه المزيه والخاصية له وحده وإنفراده بها دون الأخرين كالأكثر
علماً والأكثر فقهاً ويكفی أن نورد حديث رسول الله محمد (ص) المتواتر والذي
يقول فيه "أنا مدينة العلم وعليٌ بابها ، فمن أراد المدينة فليأتها من
بابها" ولم يقل محمد وهو الصادق الأمين كما أثبتنا فيما سبق ، ولم يشهد
لكائناً من كان بالعلم بالرسالة والتمكن منها كما شهد في هذا القول لعلي بن أبي
طالب...ويكفي أيضاً أن نورد قول علي نفسه "سلوني قبل أن تفقدوني فوالله مامن
أية من كتاب الله إلا وأنا أعلم متی نزلت وأين نزلت وفي أي قوم
نزلت." وهذا القول يدل علی
منتهی الثقة بالنفس والتمكن من العلم حتی أنه لم يجرؤ أحدٌ قط أن يقول
مثله من السابقين أو اللاحقين. بل إن
أحداً من علماء المسلمين قديماً وحديثاً لم يدعی لنفسه إطلاقاً كل هذا العلم
بل كان الواحد منهم يتحرج ويتهرب ويخاف بدعوی قلة العلم حتی أن أحدهم
قال "من قال لا أعلم فقد أفتی."
فهل يبقی بعد هذا شك في أن علياً كان أعلم أهل الأرض بالرسالة
الإسلامية المحمدية الخاتمة...ويكفی دليلا ً أن كافة الخلفاء الذين سبقوه
جعلوه مستشارهم الأول في كافة الشئون الدينية والفقهية والفلسفية والقضائية
والإجتماعية ولا يردون له قولا ً أو حكماً ولا يسمحون له أن يتغيب عن أعينهم ولو
لأيام معدودة...ولم يفعلوا هذا لغيره علی الإطلاق...فماذا نريد بعد
ذلك؟...إذن فهذا الشرط متوفر في عليٍ تماماً وهو مستوفي له إطلاقاً بلا شبهة ولا
إشكال من أي نوع بين كافة المسلمين والدارسين للإسلام من غير المسلمين.
وثالثاً:
شرط الخلق الرفيع الكريم الذي يشبه خلق الأنبياء تماماً...فعلياً وأيضاً
بشهادة أعدائه قبل أصدقاءه ومعاصروه قبل لاحقوه كان أميناً صادقاً لم يعرف الكذب
في حياته أبداً ولا مرة واحدة وكان وفياً معطاءاً جواداً كريماً شهماً طيب القول
والقلب وكان عادلا ً محسناً صبوراً مصلحاً محباً ودوداً رحيماً زؤوفاً عاقلا ً
رشيداً شجاعاً مقداماً ذو مرؤة لا بمغتاب ولا نمام ولا سفيه ولا لعوب وهذا الخلق
كله كان يجعله أشبه الناس بخلق الأنبياء عامة ومحمد (ص) خاصة ويجعله يماثلهم في ما
اتصفوا به من مكارم الأخلاق...وهذا الخلق العلوي لا يحتاج لأن نستشهد عليه أو نستدلل
فهو أيضاً ملاء الكتب الإسلامية علی مختلف توجهاتها وكلها شهدت له بذلك حتی
التي كتبت من أعدائه وكارهوه لأنها كانت حقيقة كالشمس لا يمكن إنكارها لتواترها من
كل المصادر وإجماع الأمة كلها وكافة الدارسين للإسلام وللتاريخ الإسلامي من خارج
الأمة عليها وعلی صحتها...فلا حاجة إذاً للإستدلال طالم لم يوجد خلاف ،
وطالما كانت الحقيقة واضحة ثابتة بديهية متناقلة عبر التاريخ وعبر الأجيال لم يشد
عنها شخص واحد أو يدعی بغيرها علی الإطلاق. فهذا الشرط إذن متوفر فيه تماماً وهو مستوفي له
إطلاقا ً ولا عجب فهو ربيب النبي نفسه وهو الذي نشأه ورباه فالمنطقي أن يكون بمثل
خلقه وسلوكه ومكارم ومحامد أخلاقياته...وهذه منطقية عقلية مصدقة حتی ولو لم
ينقلها التاريخ والرواة والمحدثون والدراسون والعلماء عبر الأجيال...فكل إنسان
منطقياً ينشأ علی ما نُوشئ عليه ويشب علی ما تربی عليه ويشبه
خلقه وسلوكه خلق وسلوك من رباه ونشأه وعلمه وقام علی رعايته وهذا لا خلاف
عليه ولا إشكال فيه...فعليٍ إذن كان أقرب الناس مثلا ً وأشدهم شبهاً برسول الله
محمد (ص) خلقاً وسلوكاً وأدباً وأداباً فهما في مكارم الأخلاق متشابهان تماماً
كالإنسان وصورته في المرأة أو كالشخص وظله أو كالتوءام وتوأمه أو كالأب الكريم
وإبنه الذي يماثله.
ورابعاً:
شرط القدرات العقلية والذهنية والقوة الجسدية والشجاعة والمهارات
القتالية: فعلياً أيضاً وبشهادة الجميع
مؤرخين وغير مؤرخين أعداء وأحباء...كان له من القدرات العقلية والذهنية الكثير مما
كان يُحسد عليه...فهو شديد الذكاء سريع الإستنباط قوي الذاكرة ، سريع الحفظ
والتلقين...حاضر البديهة والذهن ...شغوفاً بالتعلم...دقيق الملاحظة...له ملكه
الربط الصحيح بين الأمور ويستطيع دائماً أن يستنتج الإستنتاج السليم ويبني
عليه...وهذا كله كان معروفاً عنه من الجميع وهو ما مكنه من إختيار مكانه الصحيح
بجانب النبي وليس ضده...وهو ما مكنه من أن يكون مشيراً ومستشاراً لرأيه كل القيمة
والإحترام سواء في زمن الرسول (ص) أو زمن من تولوا الأمور بعده...وهو ما مكنه من
حفظ وجمع القرءان وتصنيف وترتيب الفقه والعلم والأحكام والإستنباط منها ثم معرفة
فلسفة الحياة والأنماط البشرية والإجتماعية وكيفية التعامل معها بعقل
وحكمة...وقدراته الذهنية الخاصة تلك هی التي كانت تمكنه من معرفة وإدراك ما
لا يعرفه الأخرين ، وتذكر ما لا يتذكره الأخرين وفهم وإستنباط ما لا يفهمه
ويستنبطه الأخرين...ولذا فتميزه في هذا المجال كان كبيراً ولا مثيل له ومشهوداً
بالإجماع لا خلاف عليه ولذا فلا حاجة بنا لسوق الأدلة والبراهين عليه من حياته
فهذا موجود بكثرة جداً في كل كتب التاريخ الإسلامي والفقه والحديث والبلاغة إلخ.
أما القوة الجسدية والشجاعة والمهارات القتالية...فعلياً
كان مضرب الأمثال في كل هذا علی مر تاريخ الدعوة الإسلامية...ولم يُجمع كل
المسلمون في كل زمان ومكان علی شئ كما أجمعوا علی قوة وشجاعة علي
ومهارته القتالية ولهذا ألف قصة وقصة علی مرحياته كلها بطولها ولو لم يكن له
إلا قوته وشجاعته يوم بدر في أول النزال ، ويوم الخندق أمام أحد أقوی وأشجع
العرب جميعاُ ممن يهاب مجرد ذكر إسمه الجميع وهو عمرو بن عبد وودّ العامري لكفی
، فما بالك لو عددنا يوم خيبر ويوم أُحد ويوم حنين ويوم الجمل ويوم صفين ويوم
النهروان...وكلها ملاحم تشهد وتنطق علی شجاعته وإقدامه وجرءته وقوته الجسدية
ومهارته القتالية العالية وإستعداده للتضحية بحياته في سبيل الرسالة وربها ونبيها
وهو ما جعله يثير الخوف دائماً في قلوب أعدائه وأعداء الرسالة التي يحميها وما
جعلهم يعرضون عن منازلته أو التعرض له لما له في قلوبهم من وجل وهيبة...وهذا أيضاً
ما جعله كثير الأعداء بين قبائل العرب فهو قد قتل في معاركه وملاحمه وبطولاته في
سبيل الدين الجديد الكثير من زعمائهم وصناديدهم وموضع عزهم مفخرهم وبالتالي أزل
كبريائهم وأرغم أنوافهم فكرهوه وتمنوا الخلاص منه وكان لمعظم هذه القبائل علی
إمتداد الجزيرة العربية والعراق والشام ثارات عنده ، والدارس والعالم بأحوال وطباع
العرب في هذه الفترة من الزمان يدرك بسهولة تملك الجاهلية والعنجهية منهم حتی
بعد إنتشار الإسلام بينهم وظلت هذه النزعات الجاهلية هی المحرك الأول لهم
لسنوات طويلة بعد هذا ، ويُدرك بالتالي حنق هؤلاء علی من قتل ساداتهم
وأبطالهم ومواضع فخرهم...وفخر العربي في ذلك الوقت هو كل حياته وأهم شئ عنده فلو
حرمته منه إنقلب إلی وحش كاسر ليتربص بك الداوئر لينتقم منك وينهشك بأسنانه
ولن يبالي وقتها لا برسالة ولا نبي ولا تعاليم دين ولن تحركه إلا جاهليته وعاداته
القديمة فقط. وهذا بالضبط ما حدث وما جعل
أعداء علي كثيرون لشجاعته وبطولاته ومهاراته القتالية وملاحمه علی مر
حياته...فهذا الشرط كله إذن متوفر فيه تماماً وهو مستوفي له إطلاقا ً لا يضارعه
فيه أحد ولا يماثله فيه أحد ولا ينكره عليه أحد.
وخامساً:
شرط الشباب وصغر العمر: فهو متوفر تماماً
فعلي يصغر الرسول الأكرم (ص) بحوالي ثلاثون عاماً وهو فرق مناسب جداً...فعندما بدأ
نزول الوحی علی الرسول (ص) كان علياً في العاشرة من عمره وعند الهجرة
كان في الثالثة والعشرين وعند وفاة النبي (ص) كان عمره ثلاثة وثلاثون عاماً أي في
أوسط شبابه وقمة قوته ولياقته وهو المطلوب تماماً لتحمل عبء الوصاية
والخلافة...وقد أمتد به العمر فعلا ً لثلاثين عاماً أخری بعد ذلك وهی
فترة مقبولة جداً لرعاية الرسالة والقيام عليها بعد النبي (ص) حتی تثبت
أقدامها...فهذا الشرط أيضاً متوفر لديه تماماً وهو مستوفيه علی
الإطلاق. وعلی العكس فهذا الشرط
بالذات أي صغر سنة هو ما جلب عليه المأخذ وجعل الجهلة يحرموه بسببه من ممارسة دوره
الذي أهله الله له وهم لا يدرون بأن صغر سنه هذا هو ما يجعله منطقياً وعقلياً
الأليق والأنسب لهذه المكانة...ولكن كيف لأمثال هذا الشعب البدوي المتخلف أن يحكم
علی الأمور عقلياً ومنطقياً والعقل أصلا ً متحجر والفكر متخلف والمنطقيات
معطلة لحين إشعار أخر.
وسادساً:
شرط الزهد وعدم الثراء...فقد كان علياً غير ذو مال حتی أن الكثير من
أصحاب الرسول (ص) لا موه عندما قرر أن يزوج إبنته فاطمة من علي بناء علی أمر
من الله مع كثرة خطابها من الوجهاء والأثرياء منهم وقالوا له كيف ستزوج إبنتك من
رجل فقير لا مال له...وقد إشتهر علی طوال حياته بزهده الشديد وبقلة ماله
ومتاعه وبساطة حياته وهذا لا خلاف عليه بين جميع المؤرخين والمسلمين في كل مكان
ولا داعي بذا للشرح أو الإستدلال أو الإستشهاد ويكفي أنه صاحب القول الشهير "يا
دنيا غري غيري...إإلي أقبلتي أم عني أدبرتي لا حاجة لي بك...قد طلقتك ثلاثاً لا
رجعة بعدها." فهل هناك قول أقوی
في الزهد من هذا ، حتی راح علياً مضرب الأمثال في الزهد ونموذج يحتذی
للمتصوفين والزاهدين علی مر الأزمان والعصور...فهذا الشرط إذن متوفر فيه
تماماً وهو مستوفيه إطلاقا ً بلا شبهةٍ أو إشكال.
وسابعاً:
شرط أصالة المنبت والأسرة والنشأة الكريمة والنبل والشرف...فعلی هو
إبن أبي طالب إبن عبد المطلب سيد بني هاشم وسيد مكة وزعيمها وشريفها...وأسرته
ومنبته هو نفس أسرة ومنبت النبي الأكرم (ص) ، فهو إبن عمه مباشرةً فالبحث هنا منتهی
ولا قول بعده...أما النشأة الكريمة فيكفی أنه نشأ في أحضان الرسول الأكرم
(ص) فهو الذي إحتضنه منذ طفولته وأخذه من أبيه ونشأه ورباه معه كأبنه ، فهل هناك
نشأة كريمة أكثر من تلك التي تكون علی يد الرسول الأكرم (ص) نفسه؟ أما النبل والشرف فهما صفات من صفات الأسرة
الهاشمية بشكل عام وهو ما جعلها من أشرف وأنبل قبائل العرب علی
الإطلاق...فلا عجب إذن إذا وجدنا علياً بأسرته وقبيلته ومنشأه ومنبته وتربيته مثال
للنبل والشرف والفروسية بكامل معناها وهذا أصلا ً منطقياً وواضح ولذا لا يحتاج لأي
إستدلال أو تتبع للأصل والأسرة والمنشأ فهی أكرم أسرة لأكرم قبيلة لأكرم
مربي وعائل...فهذا الشرط هو مستوفيه كما لم يستوفيه أحد سوی الرسول الأكرم
(ص) نفسه...ويكفي أنه يوم وفاة الرسول (ص) كان الرجل الثاني في بني هاشم كلها علی
صغر سنه ويوم تولی الخلافة كان هو سيد بني هاشم بدون منازع. فهل هناك أصل وشرف ونبل وكرم منبت أكثر من هذا
ليجعله لائقاً للوصاية ولخلافة سيد الأنبياء (ص) بعد رحيله علی أمته والأمين
علی الرسالة الوليدة والدين الخالد.
وثامناً:
شرط الحكمة...ولا ينكر حكمة علي إلا كل جاهل عديم الحكمة لا يعرفها
وبالتالي فهو لا يستطيع أن يشخصها إذا رأها واضحة جلية...ولقد أجمع كل الدارسين
المخلصين والعلماء الشرفاء والباحثين النزهاء علی أن علياً كان من أحكم
الناس بل إن حكمته كانت من أهم صفاته وهی ما جعلته وزيراً ومستشاراً دائماً
للرسول الأكرم (ص) والذين تولوا الأمر من بعده...فهل يمكن أن يكون فاقد الحكمة
متقلداً لهذه المكانة بجوا الرسول والحكام من بعده...ويكفي للدلالة علی
حكمته ، مواقفه في الموقف الحرجة في حياته وحياة الرسالة الإسلامية كلها...فمثلا ً
يوم أن تقلد غيره ما يعرف هو أنه حقاً الإلهي...أثر المصلحة العامة وقرر أن يمارس
دور الوصاية من وراء الستار وبهدوء بعد أن حُرم ولاية الأمر قهراً وإغتصاباً وهذا
منتهی الحكمة منه في معاجلة الأمور ولو إتخذ غير هذا الموقف لنشبت الحروب
وإنتهی أمر المسلمين والرسالة من أول يوم وأكلها أعدائها...ثم موقفه يوم
عرضت عليه الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان حين رفض وقال للمطالبين به لها...لقد
ضاع الوقت وفسد ما فسد وسيكون الإصلاح صعباً جداً وبثمن غاليٍ...ولم يصدقه أحد
وقتها ولكن الزمن أثبت أنه كان حكيماً كل الحكمة في رؤيته هذه...أيضاً موقفه
وقراره الشجاع الحكيم بمحاربة الناكثين والقاسطين والمارقين وكلهم كانوا من
المسلمين ومنهم من كان له مكانه علی زمان الرسول (ص) ورغم تردد المترددين
وتشكيك المشككين...فقد إتخذ قراره الحكيم هذا ولولا ذلك القرار لانتشرت الفتن
وإختلط الحق مع الباطل ولما تميز وفرق بينهما بحكمة علي وقرار علي...فهل بعد هذا
يبقی شكاً في أنه كان من أحكم الناس حتی أنه كان يُلجأ إليه في حل
أعقد القضايا وأعصاها فلا تأخذ من حكمته إلا ساعة من نهار يكون قد حكم فيها بالعدل
وهی التي أعيت العقول والأفكار...كل ذلك بفضل حكمته التي كانت هبة من الله
والتي ظهرت جلية في بلاغته التي إشتهر بها وكان يصيغ حكمته بها فتكون جمالا ً علی
جمال ونوراً علی نور..فعليٌ إذنن مستوفیٍ لهذا الشرط تماماً وهو متوفر
فيه كما لم يتوفر لأحد غيره بعد الرسول الأكرم (ص).
وتاسعاً:
شرط القرب الكامل والتلاصق مع النبي (ص) معظم الوقت...فهذا لم يكن متاحاً
لأي شخص علی وجه الأرض وقتها إلا لعلي...فهو كان ربيب النبي وإبن عمه...وكان
لا يفارقه ويسير معه كظله منذ أن أدرك معنی الحياة وهو بعد طفل صغير وظل علی
تلك الحال حتی رحيل النبي عن الدنيا وهو علی صدره وبين يديه ، فأي قرب
وتلاصق أكثر من ذلك...فهو قريب منه بحكم قرابته وهو قريب منه بحكم تربيته له
ونشأته في بيته وهو قريب منه بحكم زواجه لأبنته قرة عينه وهو قريب منه بحكم إيمانه
المطلق بالرسالة ومرسلها ورسولها...وهو قريب منه بحكم إستعانة الرسول (ص) به في كل
كبيرة وصغيرة...وهو قريب منه بحكم وجوده الدائم في كل ساحات المعارك التي خاضها
الرسول الأكرم يدافع عن الرسول (ص) بحياته ويفتدي الرسالة والدين بعمره وبكل ما
أوتی من قوة...فمن له مثل هذا القرب من النبي الذي كان يحسده عليه الكثيرون
ويكفي أن نورد قول علي نفسه "لقد كان الرسول الأكرم (ص) يحملني بين يديه ويطعمني بفمه وكنت أتبعه أينما ذهب
مثلما يتبع الجمل الصغير أمه وفي كل يوم يُشع من شخصه الكريم أنوار النبل والنبوة
وكنت أخذها وأتقبلها وأعمل بها وأتبعها كما لو كانت أمراً إلاهياً." وما إختلف إثنان من المسلمين أبداً أو
الباحثين علی أن علي إبن أبي طالب كان أكثر أهل محمد (ص) وأصحابه قرباً منه
والتصاقاً به سوأ قبل الرسالة أو بعدها وحتی وفاته (ص) ورحيله عن هذه الدنيا
إلی الرفيق الأعلی...فهل يبقی شك بعد ذلك في توفر هذا الشرط في
علي بتمامه وكماله وإستيفائه له بصورة مطلقة لم ينازعه فيها أحد أبداً لا من أهل
محمد (ص) ولا من أصحاب محمد (ص).
وعاشراً: شرط
أن يكون مختاراً ومحدداً من الله نفسه وأن يعلن ذلك للناس عن طريق النبي دون لبس
أو إشتباه, فهذا الشرط بالذات لم يتوفر لأحد أبداً علی وجه الأرض إلا علي بن
أبي طالب...وقد تحقق هذا الشرط بكل وضوح في حادثة الغدير التي أجمع كل المؤرخين
والمحدثين والباحثين والعلماء مسلمين وغير مسلمين مخلصين أو مغرضين محبين أو كارهين علی حدوثها ووقوعها
وبالتالي فهی لا خلاف عليها مثلها تماماً مثل غزوة بدر أو أُحد أو الخندق أو
حادثة الهجرة أو الإسراء أو فتح خيبر فكل هذه حوادث تاريخية أجمع الكل علی
حدوثها ولذا فهی حقيقة تاريخية ثابتة ولكن الفرق فقط في طريقه إبراز الحدث
وهذا هو ما إختلف فيه المحدثون والمأرخون...فالمغرضون والكارهون ذكروه وأكدوه ولكن
بطريقة عابرة مختصرة ودون إبراز أو تأكيد علی أهميته...والمخلصون الصادقون
ذكروه وأبرزوه بكل تفاصيله مبرزين أهميته الكبری...وفي هذا الحدث الهام الذي
وقع بعد حجة الوداع في العام العاشر للهجرة قبل وفاة الرسول الأكرم (ص) بعده أشهر
قليله وفي أثناء إنصرافه من الحج الأخير عائداً من مكة نزل جبرائيل الملك المكلف
بالوحي ليبلغ محمد بأن الله قد إختار علياً بن أبن طالب لخلافته وليكون الوصي
والولي من بعده وأن الله يأمره أن يبلغ هذا الأمر علنا لكافة المسلمين الذين حجوا
مع الرسول (ص) وقد بلغ عددهم ١٢٠ ألف وفي أقوال أخری أكثر
من هذا وهم يمثلون كافة قبائل الجزيرة العربية في كل أنحائها...والله يأمره بهذا
التبليغ علنا وصراحةً نظراً لأنه لن تتوفر فرصة أخری مثل تلك لتبليغ هذا
الأمر الإلهي الخطير في هذا الحشد الكبير من الناس علی يد الرسول الأكرم (ص)
نفسه...ويبدو أن الله سبحانه بقدرته وحكمته دبر هذا الأمر كله وأعد المسرح أعداداً
لهذا الحدث...فجعل الرسول يخرج للحج هذا العام ولم يخرج العام الذي سبقه ، ولو كان
قد خرج في العام الذي سبقه لربما لم يقع هذا الحدث لأن الحاجة إليه لم تكن لتبرز
وما زال في عمر النبي فسحة من الوقت...أما في حجة الوداع فلا فسحة ولا مناص من
إتمام الحدث...ثم جعل الله هذا الحشد الضخم يجتمع...مع العلم بأن مكة وموسم الحج
لم يشهد من قبل في تاريخه حشداً بهذه الضخامة من كل أنحاء الحريرة...فمن ذا الذي
جمع كل هؤلاء...وبعضهم لم يكونوا يعلموا بأن محمد سيحج بنفسه...لأن وسائل
الإتصالات لم تكن متطورة لتطير إليهم الخبر فيخرجوا من ديارهم للحج معه. ولِماَ لم يجتمع كل هذا الحشد في العام الذي
سبقه بالرغم من أن إحتمالية وجود الرسول الأكرم (ص) علی رأس الحج في العام
الذي سبقه كانت كبيرة ولربما أكبر من هذا العام لأن العام ألا سبق كان أول يحج
يأتي بعد فتح مكة فكانت الإحتمالية أكبر مِن أن يحضره الرسول (ص) بنفسه...ولكن مع
هذا لم يحضر في هذا العام المنصرم هذا الحشد الضخم...فمن ذا الذي جمع هذا الحشد
بدون مبرر منطقي ولأي سبب؟!
إن الإجابة هنا واضحة جلية فلا شك أنها قدرة الله
الإعجازية وليست الصدفة البحتة ولا شك أن السبب هو ما نحن بصدده ألا وهو إعلان
إختيار الله لخليفة رسوله والوصي علی رسالته الخاتمة الشاملة الهامة...هذا
يبدو منطقي تماماً وموافق للأحداث كلها...ثم أن الرسول (ص) أعلم الجميع في خطبة
الوداع في يوم عرفة أنه سيلحق بربه ويغادر الدنيا ولن يلقاهم أو يراهم بعد عامه
هذا وهو الصادق الأمين وكل المستمعين مؤمن مصدق بذلك...فلو كنت أيها القارئ حاضراً
وسامعاًً لتلك الخطبة العصماء وسمعت قول الرسول الأكرم هذا بأذنيك...فما هو أول شئ
يتبادر إلی ذهنك منطقياً وعقلياً. إن أول شيئ سيتبادر إلی ذهنك بعد
الصدمة والشعور بالحزن إن كنت محباً لمحمدٍ أن تسأل نفسك وتتسأل فمن إذن الذي
سيتولی أمور الأمة والدين من بعد محمد إذا كان سيلقی ربه بعد فترة
وجيزة؟؟! والرسالة بعدها وليده تحتاج للرعاية والعناية والإحتضان حتی تشب
وتترسخ وتقف علی أقدامها شامخة قوية؟!
ألن يتردد في ذهنك هذا السؤال ويلح بعنف أيها القارئ ولربما يصيبك بالقلق
علی مصير الرسالة والدين...ولربما يصيبك بالطموح والرغبة إن كنت من أصحاب
الطموحات العالية في الرياسة والمناصب...كل هذا ضروري ومنطقي الحدوث! ويمكنك أن تلمس هذا إن أعلن رئيس بلادك في خطاب
متلفز فجاءة علی عزمه علی ترك منصبه والإستقالة بعد عدة أيام...فإن
أول سؤال سيتبادر إلی ذهنك هو عن من سيكون خليفته والرئيس الجديد...إن هذه
منطقية وهی سنة الحياة...فكيف
سيتعامل الله مع هذه البلبلة التي
ثارت في العقول بإعلان محمد المفاجئ هذا وهو بعد لم يكن قد بلغ أرذل العمر ولا هو
في وقتها كان مريضاً أو عليلا ً! إن
العقلي والمنطقي أن لا يترك الله تعالی هذا الحشد الكبير وهو نواة الأمة
والرسالة في هذه الحيرة والبلبلة دون أن يحسم لها أمرها وبسرعة قبل أن تكبر
المطامح في النفوس ويطمع الأعداء في الدين وقد علموا بقرب رحيل النبي والرسول
ويزداد الخلاف أو الإختلافات وهذا منطقي تماماً وموافق للعقل وللصفات الإلهية
المطلقة التي أوضحناها فيما سبق وموافق لما فيه مصلحة الرسالة الوليدة ورعايتها إن
أريد لها أن تكبر وتصل إلی أهدافها...والمدقق والمتأمل لروعة الحكمة الإلهية
والتدابير الربانية يستطيع أن يری بوضوح أن إشارة محمد (ص) لقرب وفاته
ورحيله عن الدنيا في خطبة الوداع يوم التاسع من ذي الحجة العام العاشر للهجرة كانت
مقصودة تماماً...لتحرك العقول في التساؤل والحيرة والتفكير قبل أن يأتيها الجواب
بعد تسعة أيام تماماً...وهذا أسلوب تعليمي معروف تلجأ إليه المناهج والنظم
التعليمية الحديثة في العالم...فهی لا تقدم المعلومة للمتعلم مباشرة بل نطرح
عليه التساؤل أولا ً وتثير إستغرابه ودهشته وتساؤله وتجعله يفكر وتثير في عقله
ملكه التفكير بهذا التساؤل وتلك الحيرة والعجب...ثم بعد أن تعطيه وقتاً ليتفكر
بنفسه...تعطيه وتقدم له الإجابة فيكون بذلك أكثر إستعداداً لتقبلها وتفهمها
وإستيعابها والأهم من ذلك كله حفظها وعدم نسيناها لأنه بذل فيها مجهوداً عقلياً
ولم تقدم لذاكرته مباشرة فينساها بسرعة بل مرت علی عقله ونفسه وهواجسه
أولاً...وقد وجد علماء التربية والتعليم أن هذه الطريقة هی الأنفع والأصلح
والأدوم لتلقي العلم والمعلومات وهی مطبقة الأن في كل بلاد العالم...وحتی
أجهزة الإعلام كلها أصبحت تستخدم هذه الطريقة للتشويق والحفز علی متابعة خبر
ما أو إعلان عن شئ ما...فهی لا تقول لك الخبر أو الشئ المعلن عنه مباشرة
ولكن تستخدم أسلوب التساؤلات التي تثير العقل والفكر أولا ً ثم تقدم لك الخبر أو
الإعلان فتجد نفسك أكثر قبولا ً له وأكثر تأثراً به وحفظاً له...وهذا ما قصده الله
تعالی من إعلان النبي لقرب خبر رحيله عن الدنيا...حتی تتفكر العقول في
الخليفة ويثيرها التوتر والترقب والإنتظار والقلق فتكون بذلك أقدر علی تلقي
الخبر المنتظر بعد تسعة أيام بالضبط وأقدر علی وعيه وحفظه وفهمه
وإدراكه...ونكاد أن نجزم هنا منطقياً وإن لم نری أو نقرأ ذلك أو نعرفه.
نكاد أن نجزم بحكم العقل والمنطق أن بعض أصحاب محمد (ص)
ذهبوا ليسألوه عمن سيخلفه وهم كانوا لا يتحرجون عن أن يسألوا في أتفه الأمور فلا
يعقل ألا يسألوه طوال التسعة أيام عن هذا وهم عشرون ألفاً...والخبر خطير...وخلافته
(ص) شئ أخطر بالنسبة لهم فهُم قبائل متفرقة وكلهم طامحون للشرف والفخر بخلافة محمد
فهل لن يسألوه علی من سيقع هذا التشريف بالإختيار لخلافته فيصبح كملكاً لجزيرة العرب كلها وهی التي ما عرفت
ملكاً واحداً ولا توحيداً من قبل فأي شرف لهم هذا مُلك العرب جميعاً...وهؤلاء
القوم كادوا أن يتقاتلوا قبل عدة سنوات قليلة علی شرف رفع الحجر الأسواد من
الأرض ووضعه في مكانه داخل الكعبة!! أفلن
يتسألوا ويطمحوا ويودون أن يعرفوا من سينال شرف خلافة الرسول (ص) والوصاية علی
الأمة والملك علی العرب كما قد يتصوره بعد الطامحين إلی المناصب وكل
هذا شرف وأيما شرف...وقلنا أن التشريف والفخر القائم عليه هُم مِن أهَم المقدسات
عند العرب في هذا الوقت...فالمنطق إذن والعقل يقول بأن بعضهم علی الأقل سأل
محمداً عن خليفته ووصيه مباشرة ولربما تكرر السؤال عدة مرات علی الرسول
الأكرم (ص) من عدة أشخاص مختلفون وعدة مرات من نفس الشخوص ظناً منهم بأن محمداً هو
الذي سيقرر ويختار بنفسه وصيه وخليفته...إننا نكاد أن نری هذا بوضوح كرؤيتنا
للشمس لأنه عقلي ومنطقي أن يحدث وتفرض وقوعة الظروف والأحداث المنطقية حتی
وإن لم ينقله أو أغفله الرواه والمحدثون.
ونكاد أن نجزم أيضاً بأن الرسول الأكرم (ص) كان يخبرهم
بأنه لم يصدر إليه أمراً إلهياً بعد في هذا الموضوع الحيوي ولم يوحى إليه به بعد
ويخبرهم بوضوح أن الأمر ليس من إختياره ولا من إختصاصه...ويعدهم بأن يبلغهم به فور
أن يوحی به إليه من الله ويؤمر بتبليغه...وكان يری في أعينهم الشوق
والشغف لمعرفة من الخليفة ويری في بعض الأعين الطموح
في هذا المنصب وهذا للتشريف وهذا بلا شك أصاب الرسول الأكرم (ص) بالتوتر الشديد من
هذا الأمر لعلمه بما قد يؤدي إليه إختيار الله للخليفة من إحباطات لدی البعض
ورفض لدی البعض الأخر وهو ما قد يهدد الرسالة الوليدة بأفدح الأخطار والرسول قارب عمره علی الإنتهاء
ويخشی علی رسالة الله الخاتمة من الطامحين والطامعين والأعداء ومن
الفرقة والإختلافات...وهو (ص) أدری بقومه ومحركهم وحافزهم النفسي ومفاتيح
شخصياتهم التي لم تتأثر بعد بالإسلام ولا زالت في معظم مكوناتها الأساسية متأثرة
بالجاهلية متحركة بها...وهو (ص) عانی بنفسه رفضهم هم أنفسهم لأختيار الله له
شخصياً للنبوة والرسالة...فكيف يأمن لهم تسليمهم لإختيار الله في خليفته ووصيه
ومعظمهم بعد علی جاهليتهم وإن أسلموا وقاتلوا معه وضحوا في سبيله وسبيل
دعوته...فلا شك إذن أن الرسول أهتم لهذا الأمر أشد الهم طوال التسعة أيام...ولم
يغمض له طرف وهو يفكر فيما يمكن أن يحدث عندما يصدر إليه الأمر بتبليغ إختيار
الله...وهو كان متأكد منطقياً من قرب حدوث هذا لأن العمر قصير والفرصة مواتية الأن
وما من نبيٍ قبله إلا وكان له وصي وخليفة مختار من الله ومُعلن عنه من النبي ذاته قبل وفاته...فهو أولی
بذلك وهو صاحب أهم وأغلی رسالة...فهی الخاتمة والشاملة والعالمية
التوجه والغير محدودة بزمان ولا مكان.
ومما زاد قلق الرسول أكثر أنه كان يعرف مقدماً ويتوقع أن الإحتمال الأكبر
في أن يختار الله علياً لهذا المكان الرفيع وتلك الخلافة وهذه الوصاية...وسبب
القلق أنه كان يعرف بأن قومه وهو أدری بهم وبطباعهم لن يقبلوا أبداً بأن
تكون النبوة ثم الخلافة من نفس القبيلة دون عن باقي العرب أجمعين أي من بني
هاشم...وهم كلهم يرون أنفسهم أصحاب فضل وشرف ومجد وعز لا يقل عن بني هاشم ولذلك
فهم أحق بهذا الشرف في الوصاية والخلافة طالما أن بني هاشم فازت بشرف النبوة
وسلموا لها بذلك كارهين مجبرين مقهورين في معظم الأحيان بعد حروب طاحنة وعداءات لا
حدود لها وبعد رؤية معجزات الله في نصره لنبيه المختار من دونهم.
ويكفی هنا أن نتذكر يوم إختلف
القوم من وجهاء وقبائل مكة فقط وليس كل الجزيرة فيمن ينال شرف رفع الحجر الأسود
ليضعه في مكانه في بيت الله الحرام حتی كادوا أن يقتتلوا فيما بينهم لهذا
السبب...أرأيت كيف تفكر عقولهم...فالأقتتال والسيف لمجرد نيل شرف رفع الحجر الأسود
ووضعه في مكانه...ولنتذكر هنا ماذا فعل محمد (ص) عندما إحتكم إليه القوم ولم يكن
وقتها قد بُعث فكان بالنسبة لهم شخصاً عادياً...فماذا فعل محمد الحكيم العليم بأفة
أمته وقومه...لقد أراد أن يرضيهم جميعاً ويجنبهم الإقتتال فيما بينهم لهذا السبب
البسيط وأن يوزع عليهم الشرف جميعاً...فمد لهم ثوبه ووضع الحجر عليه ثم طلب من كل
شيخ من شيوخ القبائل أن يمسك بطرف من الثوب ويرفعوا الحجر مع الثوب ويوصلوه حتی
الكعبة ثم يأخذه هو بيده ليضعه في مكانه...وهاكذا أرضی الجميع وحل الإشكال
بكل بساطة وحكمة ومدارة لسفه قومه وقلة عقولهم...ومحمد وقتها ليس بصاحب رسالة يخشی
عليها من قومه...فما بالك بمحمدٍ هذا نفسه الذي لا يريد لقومه أن يختلفوا ويقتتلوا
لسبب بسيط ويريد أن يجنبهم هذا وهو الأن رسول الله وخاتم النبيين يوشك أن يرحل عن
الدنيا والرسالة الإسلامية بعدها وليده ناشئة...فكيف لا يحمل ألهَم وهو أدری
بقومه وهم يسألونه في كل وقت طوال التسع أيام والعيون بها ما بها وهو يعرف ما
سيترتب علی إعلان إختيار الله الوشيك الإبلاغ والحدوث...لنا أن نتصور كيف
مرت عليه تلك الأيام التسعة.
ومما سبق نكاد أن نجزم عقلياً ومنطقياً بكذب المقولة
التي إدعت بأن الأية الكريمة من القرءان التي تقول "بسم الله الرحمن الرحيم ،
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" نزلت علی
الرسول الأكرم يوم حجة الوداع بعد فراغه من الخطبة علی عرفات...لأنه كيف
يقول الله أنه أتم دينه وأكمله في هذا الموقف وهو للتو قد فتح تساؤل من أكبر
التساؤلات في تاريخ الدعوة لم يتم الإجابة عليه بعد؟! فأين هو التمام والكمال للدين والنعمة وما زال
هناك نقصاً منطقياً لا بد أن يوحی به من الله وهو عن إجابة ذلك التساؤل فيمن
سيخلف محمداً إذا كان هو بنفسه قد أعلن خبر قرب وفاته ورحيله عن الدنيا...ولو كان
هذا ما قبله هؤلاء الأعراب منه ولتسألوا وسألوه كيف أتم الله نعمته وأكمل دينه
ونحن بعد في حيرة من أمرنا فيمن سيخلفك ويكون ولياً ووصياً علينا...إن كل ذلك غير
منطقي إطلاقا ً والعقل والمنطق يقول بأن هذه الأية بالذات نزلت بعد هذا الموقف
وبعد إنجلاء الغموض وإجابة السؤال الحائر فيمن سيخلف محمداً بأمر من الله قريب ووشيك
الهبوط والإبلاغ...ولنضرب مثلا ً بسيطاً فلو أن إستاذاً أنار تفكر تلاميذه بسؤال
في شئ من المنهج المقرر لم يوضحه لهم بعد تمهيداً لتوضحه لهم في محاضره
مقبلة...فهل يقبل من هذا الإستاذ بعد أن أثار تساؤلهم لعذا المحير الذي لا يعرفون
إجابتهم بأن يقول لهم إن المهم أن المقرر قد إتنهی وإكتمل تماماً والعام
الدراس كله إنتهی ولن نلتقي ثانية والسلام عليكم...إن هذا غير مقبول وغير
عقلي وغير منطقي...والمتوقع والمقبول أن يقول لهم ذلك بعد أن يُوضح لهم إجابة هذا
السؤال الذي حيرهم والذي طرحه هو عليهم وسبب حيرتهم به فحق عليه أن يجيبهم قبل أن
يُنهي مهمته ويتم منهجه ومقرره حتی يُحق له أن يقول أنه يحق أتم المنهج
وأكمل المقرر.
نعود للقضية والحدث مرة أخری...فما
أن أبلغ جبريل محمداً بإختيار الله وأمره في تبليغ هذا الإختيار وعرف أن علياً هو
المختار من الله لتولي هذا الدور الذي يراه الله ورسوله تكليفاً ويراه الأعراب
تشريفاً فقط...حتی زاد همهُ وقلقه وضاق صدره لأنه يعرف مقدماً كيف سيتقبل
قومه هذا الإختيار وماذا يحتمل أن يجر ذلك في المستقبل علی الرسالة وعلی
الوصي المختار نفسه...وله في ذلك الحق كل الحق...ولما رأی الله سبحانه وتعالی
قلق نبيه وهمه وهو نفس ما حدث له سابقاً عندما أمره الله بأن يأمر زيد بن حارثة
مولاه بأن يُطلق زينب بنت جحش ليتزوجها الرسول (ص) نفسه وأهتم الرسول لذلك أشد
الهم حتی أنه قال لزيد "أمسِك عليك زوجك" مخافة ما سيقول
الناس رجاء أن يتضرع إلی الله ليخفف عنه هذا العبء أو يعينه علی
أداءه...وفعلا ً تنزل الوحي وقتها يحفزه ويعينه.
وهنا تريد أن نوضح شيئاً هاماً فالأوامر الإلهية للرسول (ص) كانت نوعان:
نوع يؤمر الرسول بتبليغه عن طريقه مباشرة هو...ونوع يتنزل الأمر فيه في القرءان
وبأيات تُتلی مباشرة من الله إلی الناس.
والهَم وضيق الصدر أحياناً كان يصيب الرسول الأكرم (ص)
في تبليغ النوع الأول فقط لمعرفته بنمط قومه وجاهليتهم وضعف إيمانهم وظنهم أن مثل
تلك الأوامر هی من عند ذات محمد وليست من عند الله...أما النوع الثاني فكان
أسهل علی محمد (ص) وكان يسعد به لأن الأيات الإعجازية الواضحة من الله كانت
تُلزم قومه الحجة فلا يستطيعون حيلة أمامها سوی الإنصياع والطاعة...ولذا ففي
بعض المواقف مثل موقف زينب بنت جحش وزيداً ومثل موقفنا هذا كان الرسول يتمنی
علی الله ويدعو بأن يحول الله الأمر من النوع الأول الصعب عليه لما يعانيه
من قومه والناس إلی النوع الثاني المحبب إلی نفسه والذي يجبر الناس علی
قبوله...وفعلا ً كان الله يستجيب لنبيه فيحول الأمر من النوع الأول إلی
النوع الثاني ويجعله قرءاناً بدلا ً عن أمر شفهي يقوم الرسول بتبليغه...وهذا أيضاً
حدث في فرض سهم المؤلفةُ قلوبهم...حينما رفضه الناس ظناً أنه أمر من محمد فأنزله
الله كأية في القرءان ، وحدث نفس الشئ مع زيد وأنزل الله الأيات لتثبت الأمر وتنبه
الناس المحيطون بالرسول إلی ما يسببونه له
بإستقبالهم السئ لأوامره من هم وقلق يعيقه أحياناً عن تبليغ رسالة ربه بتمامها
وكمالها وليشجع الرسول نفسه في ذات الوقت علی طاعة أمر الله فقط وعدم المبالاة بالناس من حوله
أياً كانوا...ولننظر إلی تلك الأيات التي أنزلت لتحسم قضية زيد وزينب بعد
تضرع محمد إلی ربه ليعينه. بسم الله
الرحمن الرحيم... "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسِك عليك
زوجك واتقي الله وتُخفي في نفسك ما الله مبديه وتَخشی الناس والله أحق أن
تخشاه فلما قضی زيد منها وطراً زوجنكها لكي لا يكون علی المؤمنين حرج
في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولا." والأيات تتحدث عن نفسها فالله يشجع رسوله ويثبت
أمره ويؤكد أنه أمر الله وليس محمد ويشير للناس من طرفٍ خفی ليكفوا عن أذی
محمد ويهددهم بأن الله أقوی منهم وأحق بالخشية منهم...ويخطئ من يظن أن عبارة
والله أحق أن تخشاه هی موجه لمحمد...فهو أعلم الناس بهذا وهو رسول
الله...ولكنها موجهة أساساً للناس الذين حول محمد الذي يسيئون إليه ويزعجونه ويتشككون في تنفيذ أمره ويلزمون عليه اللزمات
للنيل منه والهجوم عليه فالله يريد أن يقول لهم إن كان محمد يخشاكم في تنفيذ أمري
فأنا أقوی منكم بكثير وقادر عليكم وعلی عقابكم وأولی لذا
بالخشية منكم.
ويتكرر نفس الشئ في اليوم الثامن عشر من
ذي الحجة من العام العاشر للهجرة ويضيق صدر محمد (ص) ويتضرع لربه ليجعل الإختيار
الإلهي للخليفة والوصي من بعده أمراً قرأنياً مباشراً وإستجاب الله لنبيه ولكن
حكمته هذه المرة إستجابت بطريقة مختلفة...إن الأيات هذه المرة نزلت تشجع النبي
وتحفزه وتحذر الناس الذين يزعجوه ويقلقوه بطريقة مباشرة هذه المرة بأن الله قادر
علی حفظ رسوله منهم...ولكن الحكمة الإلهية أرتئت هذه المرة ألا تثبت محتوی
الأمر نفسه في الأيات القرءانية...فلم تنص الأيات علی تحديد إسم الخليفة
المنتظر والوصي كما أراد الرسول الأكرم (ص) حتی ينتهي النزاع. ولن نستطيع مهما حاولنا أن يحيط بحكمة الله العليا لأن ذلك من صفاته المنطقية
والمتوقعة والمنصوص والمبلغ عنها فعلا ً "ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما
شاء" ولكن نستطيع بعقولنا البسيطة أن نتلمس بعض الجوانب بفكرنا المحدود
فإن أصبنا فالحمد لله رب العالمين أن هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا
الله. وإن أخطأنا فالأمر مردود علينا
ونستغفر الله علی ذلك ونأمل أن يعطينا أجر من أخلص وإجتهد فأخطأ نستعين
بالله ونقول:
السبب
الأول: هو الفتنة التي أراد
الله بحكمته أن تقع الأمة فيها والتي أنبأ عنها النبي (ص) والتي حدثت بعد وفاته
(ص) وهی التي محصت الحق عن الباطل والهدی عن الضلال ولولاها لأختلط
الحابل بالنابل وهذا من أشد الأفات التي تفتك بالأُمم ولذا جعل الله هذه الأمة خير
أمة أُخرجت للناس لأنها تأمر بالمعروف وتنهی عن المنكر وبذا تحق الحق وتُبطل
الباطل وبذا لا تختلط عليها الأمور كما حدث فيما سبقها من الأمم وكان سبب هلاكها.
السبب
الثاني: هو أن الله سبق وأن
أعلن الحرب العلنية علی النفاق والمنافقين في العام السابق مباشرة في سورة
البرأة وهؤلاء المنافقون هم أول من كان يؤذي النبي (ص) ويشكك فيه وفي أقواله
وأوامره ويحاول مسخها والتهرب منها وعدم تنفيذها والتقول عليه بسببها. فلا يعقل ولا هو منطقي أن يعلن الله الحرب
علانية عليهم منذ عام وفي نفس الوقت الأن يجنبهم الوقوع فيما سيكشفهم ويكشف زيغ
قلوبهم ويشهد الأمة كلها عليهم ويقيم عليهم البينة التي سيأخذهم بها في الدنيا وفي
الأخرة وهو الأهم ويحاسبهم عليها. ولو ذكر
القرءان إسم الوصي صراحة لفاتت وضاعت هذه الفرصة للإيقاع بهم وكشفهم وإقامة الحجة
عليهم ولم يبقی في عمر الرسول (ص) كثيراً.
السبب
الثالث: لقد أوضح الله لهم أكثر من مرة فيما سبق بأن
الرسول لا ينطق عن الهوی...وفي كل مرة أتهموا الرسول بأن الأوامر من عنده
كان القرءأن يتنزل من الله ليوضح لهم أن الأمر كله بيد الله وأن الرسول لا يملك
لنفسه شئ وليس له من الأمر شئ وأن يطيع فقط ويقول ما يوحی إليه به ربه...فإلی
متی سيستمر ذلك وبعد كم مرة سيفهم ويتعلم القوم...فكان لا بد إذن وأن ينتهي
بعد فترة زمن التعلم والتعليم ويأتي زمن الإختبار بناء علی ما تعلموه فيما
سبق بأن النبي لا ينطق عن الهوی وإن هو إلا وحيٌ يُوحی...فأبی
الله هذه المرة إلا أن تكون إمتحاناً فيما تعلموه عدة مرات فيما سبق لينظر من
إستفاد وتعلم الدرس ووعاه جيداً ومن هو جاهل حاقد لا يريد أن يتعلم وإن عُلم لفساد قلبه وسوء نفسه وضعف إيمانه وجاهليته
التي يتمسك بها وئكه الذي يتردد فيه ، تماما كما تعلم أولاداً صغار طوال السنة ثم
تعقد لهم في النهاية إمتحانا لتری إن كانوا إستفادوا شيئاً مما علمتهم أم
لا...فينجح البعض ويرسب البعض ويفشل البعض فشلا ً ذريعاً.
السبب
الرابع: والخطر هذه المرة كبير...فالقوم طامحون لهذا
الشرف المنتظر والملك المرغوب أشدا الطموح وكل قبيلة تُمني نفسها به...ولا يؤمن
والحال هاكذا والقوم جاهليتهم مستبده بهم لا يؤمن أنه حتی لو صرح القرءان
بإسم الولي والوصي لا يؤمن...أنهم هذه المرة لن يقبلوا ويعترضوا حتی علی
النص القرءاني ويتجاوزوا حدوداً ما تجاوزوها من قبل ويتجرءوا حتی علی
القرءان وعصيانه وفي هذا ستكون الطامة الكبری وإنهدام الرسالة من أساسها
بإنهدام وعصيان قرءانها صراحة وموتها وليده مع عصيان أول أية في كتابها ودستورها
الذي تقوم عليه وتستمد حياتها منه...فالأفضل منطقياً في هذه الحال...تجنيب القرءان
ذلك الخطر الداهم للحفاظ علی الكيان الأساسي والبنية التحتة للرسالة والأمة
وهو كتابها الخالد وأوامره واجبة النفاذ والطاعة...فأراد الله برحمته ألا يحملهم
ما لا طاقة لهم به وألا يدفعهم إلی العصيان المباشر والخروج علی كتاب
الله مدفوعين بجاهليتهم وعصبيتهم وشكهم وضعف إيمانهم وحبهم الجنوني للزعامة والشرف
والفخر والملك والترأس والسيطرة...وهذه حكمة عظيمة من الله لولاها لربما إنفرط أمر
هذه الأمة منذ البداية ودلست الرسالة برمتها تحت الأقدام الشرهة المتخلفة ولم يبقی
منه أي أثر حتی الأن ، والحمد لله رب العالمين وهو أحكم الحاكمين.
نعود لقصتنا...والقرءان يتنزل علی
الرسول ليشجعه ويحفزه ويحميه ولكنه لا يصرح بالأمر الإلهي مباشرة فتنزل الأيات بسم
الله الرحمن الرحيم "يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما
بلغت رسالته والله يعصمك من الناس" صدق الله العظيم. والأية واضحة كل الوضح فهی تشجع النبي
بأن تربط له بين تبليغ نص هذا الأمر منه هو هذه المرة دون نص قرءاني وبين تبليغ
الرسالة كلها فإذا لم يفعل هذا الأمر البسيط الأخير يكون بذلك قد ضيع جهاد وكفاح ٢٣
سنة قضاها في تبليغ الرسالة حُكماً حُكماً وجزءاً جزءاً وأمراً أمراً ، فهل سيقبل
الرسول (ص) بهذا ويغضب ربه ويصبح كأنه لم يبلغ رسالة الله كلها لمجرد تحمل عبء
تبليغ هذا الأمر الأخير؟! لا يعقل...فهذا
كان أفضل تشجيع وتحفيذ من الله لرسوله (ص)...ثم الله يعده أنه سيعصمه من الناس
ضعاف النفوس والمكذبين والمنافقين من حوله الذين يريدون به وبدينه شراً ويتحينون
الفرص لذلك وكلمة العصمة هنا أقوی
من كلمة الحماية في الدلالة علی المعنی فالعصمة هی
إمتناع حدوث الشئ مطلقاً أما الحماية فلربما تكون زمانية أو مكانية فقط وليست
مطلقة...وأيضاً القول هنا وإن كان موجهاً لمحمد لتشجيعه بعصمته الإلهية من الناس
المترددين المشككين المنافقين...فهو بنفس المقدار موجه لهؤلاء الناس أنفسهم
ليعلمهم ويحذرهم بأن الله أقوی منهم وهو سيعصم نبيه ويحميه منهم ومن تقولهم وأفعالهم وبالتالي
سيحمي وصيه وهذا مفهوم ضمناً منهم ومن شرورهم...عسی بذلك أن يرتدعوا إذا
علموا بعصمة الله وحمايته المطلقة لنبيه ويكون بذلك دافعاً لهم علی الطاعة
الكاملة للأمر والإنصياع له طالما رأوا أن الله من وراء نبيهم فهو يحفظه ويحميه
ويعصمه هو ووليه وخليفته المنتظر.
وأحدثت الأيات فعلها...فذهب الهم عن
الرسول الأكرم (ص) وحزم أمره وأمر بالتوقف فوراً وأستدعی كل من أمر سبق ولحق
به من تخلف...ثم أذن المؤذن في الناس بأمر هام يريد النبي إبلاغه للناس
جميعهم...جميع من شهد الموقف والحج ٧٠ ألف شخص على الأقل...وإجتمع
الجميع في مكان يدعی غدير خم ونصب مكان عالی لرسول الله ليذيع أمر
الله من فوقه حتی يسمعه الجميع...ونكاد هنا أيضاً أن نجزم بأن القوم معظمهم
إن لم نقل كلهم...علموا وتوقعوا أن الرسول بلا شك سيذيع عليهم خبر إختيار الخليفة
والوصي المنتظر ويعلمهم بإسمه...وهم كانوا يتحرقون شوقاً لذلك وما فتأوا طوال تسعة
أيام يسئلوا الرسول عن ذلك بلا شك وهو يعدهم بذلك فور نزول الوحي فها هو فجأة
يدعوهم لأمر هام إستدعی التوقف وإجتماع الجميع مرة أخری بعد إنفضاض الحجيج...فهل هذا الأمر ألهام إلا الإعلان إسم
الوصي والخليفة الذي يتطلع إليه الجميع...المخلصون ليعلموا من وصيهم وإمامهم
ووليهم بعد نبيهم الذي سيؤدون إليه زكاة أموالهم وخُمس مكاسبهم وصدقاتهم وسيطيعونه
إذا دعاهم للنفير ويجاهدوا تحت رايته ويسمعوا
كلمته ويكون أميرهم وراعي دينهم وحامي رسالتهم الخالدة الشاملة ، والطامحون الذين
لا هم لهم إلا جاهليتهم ونيل هذا الشرف
الكبير لهم ولقبيلتهم وأبناءهم والمترددين والمنافقين والأعداء الذين لا هم لهم
إلا معاداة النبي والرسالة والتشكيك فيهما والنيل منها وتربص الدوائر بهما...فبلا
شك إذن أن الجميع كانوا يعرفون لماذا جمعهم نبيهم ويعرفون محتوی خطبته
سلفاً...ويتلهفون علی إعلان إسم الوصي المنتظر...تماماً كما نجتمع في مساء
ليلة الشك قبل رمضان...ويعلن المذيع في الراديو أن بيانا ها ما سيصدر عن دار
الإفتاء أو قاض القضاة...فكلنا وقتها بالطبع نتوقع أن البيان سيتحدث عن رؤية
الهلال أم لا فالمحتوی ليس مفاجئ ولكننا نحتری شوقاً ونفتح أذاننا فقط
لنعرف هل رؤی الهلال أم لا؟ وهل
رمضان غداً أم لا؟ فبالمثل القوم كانوا
يتحرقون شوقاً فقط لمعرفة إسم الوصي والخليفة...وإن كان الرسول (ص) يتوقع قبل صدور
الأمر الإلهي أن علياً هو الشخص المختار ولذا فلم يكن الأمر الإلهي مفاجئ له...فإن
القوم بالذات الطامحين منهم وطالبي الزعامة والشرف لم يكونوا يتوقعون ذلك علی
الإطلاق...فهم بجاهليتهم يظنون أن محمداً هو الذي يختار ولا بد أن يأخذ عادات
العرب في إعتباره فيختار شيخاً مرموقاً سيد قومه وقبيلته وأن يوزع هذا الأمر فلا
يكون في بني هاشم حتى يرضيهم وإنما يكون من نصيب قبيلة أخری ليشترك الجميع
في الشرف والفخر وهذا كل ما يهمهم بجاهليتهم وتخلف عقولهم ، أما مصلحة الرسالة
والصفات المنطقية التي يجب أن تتوفر في الوصي والخليفة فكل هذا لا يهمهم ولم
يعملوا عقولهم فيه علی الإطلاق...ولا هم كانوا يصدقون حقاً أن الإختيار من
الله كما علمهم ربهم أكثر من مرة فيما سبق ولكن لا فائدة.
ولنا أن نتصور والحال هاكذا والقوم
بعددهم الهائل هذا وفيهم القبائل وأشرافها وشيوخها مجتمعون يتطلعون ويطمحون ولا
يتوقعون ما سيلقی عليهم من مفاجأة...والأذان مفتوحة والقلوب شغوفه والعقول
تدبر الإحتمالات والتوقعات وبعض النفوس تمنی نفسها بهذا الشرف والملك
المنتظر علی العرب كلهم لأول مرة في تاريخهم الطويل بعد أن توحدوا تقريباً
وأصبح لهم دولة ناشئة بفضل هذا الدين الجديد...ويقف الرسول الأعظم (ص) وهو يری
في العيون ما يری...فيحمد الله ويثني عليه...ثم يذكر القوم بأنه رسول الله
وأنه لا ينطق عن الهوی وإن هو إلا وحي يُوحی وأنه ينفذ الأن ما أمره
الله به مباشرة ثم يذكر بأنه يستعيذ بالله ويستجير به من شرور النفس ومن شرور
الناس ويتوكل عليه وهو حافظة وراعية وعاصمة...ثم يعيد عليهم خبر دنو أجله (ص) وقرب
مفارقته الدنيا وطلب منهم أن يشهدوا أمام الله الأن كما سيشهدوا يوم القيامة علی
إبلاغه الرسالة بأمانة عن الله وكما أمره بها...فنطق الحضور جميعاً في صوت واحد
بالشهادة له بهذا أمام الله ثم طلب منهم الشهادة بالله وبأنه رسول الله وبأن البعث
حق والحساب حق والجنة حق والنار حق فشهدوا...ثم قال لهم فاسمعوا جيداً لقد أمرني
الله أن أعلمكم بأني مغادركم عما قليل للقاء ربي وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما
لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتی يردا علي
الحوض يوم القيامة. فوصيتي لكم أن تظلوا
أوفياء مطيعين لهما. لا تتقدموهم ولا تتأخروا عنهما فتهلكوا...ثم سألهم بعد ذلك من
أولی الناس بالطاعة من أنفسكم فردوا وقالوا...الله ورسوله أعلم...فقال الله
ربي أولا ً ثم أنا الست أولی بالمؤمنين بالطاعة من أنفسهم كما قال الله في
كتابه العزيز...فقالوا نعم نعم نشهد بهذا...عند هذا الحد إنحنی الرسول (ص)
ثم رفع علياً من بين القوم وجعله بين يديه مظهراً أياة لجميع الناس وقال بصوت عالي
سمعه الجميع "كما أنني أولی بالطاعة منكم فهذا علي أولی
بالطاعة منكم...فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه ومن كنت نبيه فهذا عليُ أميره"
, ثم رفع يديه (ص) إلی السماء ودعا ربه وقال اللهم والي من والاه وعادي من
عاداه وانصر من نصره وأخذل من خذله...ثم سألم ألا هل بلغت أمر الله؟ فقالوا حميعاً في نفس واحد "بلی
بلی" فرفع يده إلی السماء وقال "اللهم فأشهد" ثم
قال "إذهبوا الأن وليُبلغ الشاهد منكم الغائب بما سمعه مني". ثم جلس النبي (ص) وبجانبه عليُ وطلب من القوم
جميعاً أن يبايعوه واحداً واحداً على أنه الإمام والولي من بعد النبي وبعد أن أخذ
منهم البيعة...وفي هذه اللحظة بالذات وهذا هو المنطقي تماماً...نزل الوحي بهذه
الأية القرءانية "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم
الإسلام ديناً". وهی
دليل فعلا ً علی أن محمد نفذ تماماً وقال ما أمره به ربه وقد رضي عن قوله
وعن تنفيذ أمره وبذا إكتمل الدين وتمت نعمة ربك صدقاً وعدلا ً.
وأُصيب بعضهم بالصدمة الشديدة ووقعت
عليه المفاجأة كالصاعقة...ومنهم من تمالك نفسه ومنهم من لم يتمالك وصرح علناً
بجاهليته وإرتداءه وعدائه فهذا أحدهم يقف علی ناقته ويقول لرسول الله (ص)
"يا محمد لقد إدعيت أنك نبي الله وصدقناك...وها أنت الأن تريد الملك من بعدك
أثرة في بني هاشم لا والله لا نصدقك في هذا أبداً...ولو كان ما قلت حقاً من
الله...فليمطر الله علينا حجارة من السماء...". وما أن أتم قوله حتی أتاه حجر طائر من
السماء أصابه في رأسه وخرج من مقعده وخر صريعاً ضحية لكفره وجاهليته وعدم إيمانه
وتصديقه وتحدية لله رب العالمين ولرسوله الصادق الأمين. وسكت الجميع لما رءوا الجزاء ولم يجرؤ أحد
بعدها علی المجاهرة بإعتراضه أوشكوكه وقد رأی بعينه الجزاء من
الله...وكأن الله أراد بحكمته وقدرته أن يريهم في وقتها وساعتها وهم بعد شهود
وحضور جزاء من يُكذب أو يُنكر أو يتخلف وهذه هی عصمته التي وعد بها نبيه في
الأية الكريمة وليتم معنی العصمة من الله بطريقة عملية واضحة للجميع وهی
لا تحتمل التكذيب لأنها موافقة للعقل والمنطق ونزل فيها قرءان إلی يوم الدين
"سأل سائل بعذابٍ واقع...". وهذه الواقعة بالذات منطقية الحدوث ولو لم
تقع لأستنتج العقل ضرورة وقوعها في هذا الموقف بذات لتكون عظة وعبرة. وبعد ذلك عقد النبي (ص) موكب التهنئة والمبايعة
لعلي وبدءة بزوجاته (ص) أمهات المؤمنين ثم المهاجرين والأنصار ثم شيوخ وزعماء
القبائل والجميع يأتي لعلي مهنئين ومبايعين عن أنفسهم وعن أقوامهم وأتباعهم ومن
يعيلون وبذا لزمت البيعة الجميع وكانت بيعة شرعية حضرها سبعون ألفاً وممثلوا كل
القبائل وكافة الصحابة من المسلمين. ومعظم
المجاهرين والأنصار وأمهات المؤمنين وأشراف القوم ولم يبق أحد في الجزيرة العربية
إلا وكان له من يمثله في هذا الحشد ممن بايع علياً بالخلافة والوصاية علی
الأمة والدين من بعد محمد (ص) ...وتمت البيعة بإشراف النبي (ص) نفسه وفي حياته
وبأمر صادر من الله واضح كل الوضوح أبلغ النبي نفسه بكل وضوح أنه أمر وإختيار من
الله وشهد الجميع أنه أبلغهم بذلك وبايع الجميع علياً علی ذلك وعلی
معرفة كاملة بأن إختياره وبيعته أمر من الله كل من لا يطيعه يستحق العذاب الفوري
كما رأوا ، وبإعلان أختياره وتسميته نزل القرءان بتمام النعمة وكمال الدين فكأن
القرءان بهذا نص علی شخص علي كولي وخليفة وأقره وهذا لا يختلف عليه أي شخص
ذو عقل وفكر إنساني...فلا يأتي سفيه بعد هذا ليقول بأن القرءان لم ينص صراحة علی
تسمية علياً وصياً وخليفة لمحمد...فهذا يكون إما مخبولا ً غير ذو عقل وأما يكون
حاقداً مغرضاً معادياً معانداً مجادلا ً للجدال فقط فلا هو يبتغي حقيقة ولا هو
طالب حق. وهل هناك نص أقوی من هذا
الحدث وتلك الأيات القرءانية العظيمة بعده مباشرة حتی ولولم يذكر فيها إسم
علي بالتحديد...فالمهم النتيجة وهی أن الله أتم النعمة وأكمل الدين
بإختيارعليُ للوصاية والخلافة فهذا إقرار من الله لصحة ما حدث فهو كالأمر المباشر
...وهل هناك بيعة في الإسلام كله علی طول تاريخة أقوی وأصدق وأحق
وأمكن وأولی بالإتباع من هذه البيعة التي كانت بأمر الله مباشرة وبرعاية
رسول الله مباشرة وبحضور معظم الأمة بنفسها مباشرة...وانصرف الناس بعد هذا...منهم
من أضمر خيراً وطاعة وتصديقاً وولاء...ومنهم من أضمر عصياناً وعداءاً ورفضاً
وتحيناً...والله محاسب الجميع.
فهل أيها القارئ المفكر المخلص بعد
قراءتك تلك الحادثة يبقی عندك أي شك في إستيفاء عليُ لهذا الشرط الهام الذي
لم يتوفر لأحد غيره وهو ما يميزه وحده عن غيره...ويكفيه إن إختياره كان من الله
مباشرة حاله حال كافة الأوصياء والخلفاء والأولياء من قبله...والقصة في ذاتها متفق
عليها وعلی صحتها وتفاصيلها بين كافة المؤرخين والمحدثين والرواة...ولكن
الخلاف حدث فقط من بعض العلماء السفهاء في تأويلها وليس في حدوثها...وسنترك
تأويلها لقارئنا المفكر العزيز مبتغي الحقيقة ومتبعها وهی واضحة كل الوضوح
ولا تحتاج أصلا ً لتأويل ولكنها تحتاج رؤية بسيطة وقراءة سريعة وبعدها سيتضح كل شئ
ويتأكد القارئ أن هذا الشرط من الشروط المنطقية للوصاية والخلافة من بعد النبي
متوفر تماماً لعلي وهومستوفيه إطلاقا ً كما لم يتوفر أو يستوفي لإحد غيره علی
الإطلاق دون أي لبس أو إشتباه من أي نوع ولم يدعي أحد فقط أنه حدث له مثل هذا
الحدث الجليل الذي عرف في تاريخ الإسلام بإسم حديث الغدير وتعمد البعض عدم إبرازه
وإظهاره وهؤلاء حسابهم علی الله بما ضلوا وأضلوا كثيراً من أبناء هذه الأمة
عن دينهم وعن وصيهم ووليهم من بعد وفاة نبيهم (ص)...والعارفين بأمور الأديان
السماوية...وألا يذكرهم هذا الحدث وتلك الواقعة بحادثة إختيار موسی لخليفته
يوشع بن نون والذي تم بنفس الطريقة ونفس المشهد تماماً كما تم إختيار علي وكأن
المُخرج والمصمم واحد وسبحان الله رب العالمين.
وأحد
عشر: شرط أن يكون ذو دور كبير وفضائل على الساحة
أثناء وجود النبي.
ونشؤء الرسالة...فهذا لا يحتاج لحديث أو
شرح ويكفي نظرة بسيطة علی كتب التاريخ الإسلامي المنصف والغير منصف...العادل
والمُغرض...لنری إسم علي مكتوب علی
كل صفحة من صفحاتها علی إختلاف توجهاتها وميول كتابها منذ اللحظة الأولی
لنزول الوحی علی رسول الله (ص) حتی وعلى بعد طفل صغير في
العاشرة...أما مواقفه المشهودة يوم الهجرة ويوم المؤاخاة بعد الهجرة ويوم حديث
الدار ويوم بدر وأُحد والخندق وحنين وخيبر ويوم فتح مكة ويوم بني قريظة ويوم قصة
حاطب ويوم سورة البراءة ويوم الغدير ويوم وفاة الرسول الأكرم (ص)...فهل هناك دور
كبير وفضائل علی الساحة أثناء وجود النبي وبين يديه وأثناء نشوء الرسالة
أكثر من هذا...مما يدفع علی الإستنتاج بأنه لو كان غير موجوداً فلربما تغير
تاريخ الرسالة ونشؤها وبالتالي تاريخ الإسلام كله...لأنه ما من حدث في تاريخ
الدعوة والرسالة إلا ونراه موجوداً شامخاً مؤثراً متأثراً فاعلا ً ومتفاعلا ً
مقاتلا ً ومجاهداً حافظاً وعاملا ً أميناً ومؤقتاً...باذلا ً ومضحياً...فأي دور
أكبر من هذا وأي تأثير أكثر من هذا إلا تأثير ودور النبي (ص) نفسه...وهو كان بجانبه
دائماً في معظم الأوقات سلما وحرباً دعوة ووحياً وحياة إختضاراً وموتاً...يؤيده
ويزود عنه وينصره بنفسه وعقله وماله وحياته.
فهل يبقی بعد هذا شك في إستيفاء علی لهذا الشرط إطلاقا ً
وتوفره فيه تماماً. وهذا مما لا ينكره أحد
أو يشكك فيه أحد لا عدو ولا صديق ولا محق ولا مغرض ولا مؤرخ ولا باحث علی
طول التاريخ الإسلامي وحتی الأن وإلی أن تقوم الساعة.
وإثنی
عشر: شرط أن يكون من أسرع وأول الناس إيماناً
وتصديقاً بالنبي وبالرسالة ودفاعاً عنها وعملا ً في سبيلها...فعليٌ كان أول الناس
كلهم إسلاما ً وإيماناً بالله وبالرسول (ص) مع خديجة زوجة النبي (ص) برغم صغر
سنه...وكان أول بيت في الإسلام يضم النبي (ص) وخديجة وعلي فقط لا غير...وكان علي
أول من أبدی إستعداده للدفاع عن الرسول وعن الرسالة في حديث الدار يوم أن
عرض محمد (ص) الإسلام علی أهله وأقاربه وعرض عليهم أن من يتعهد بنصره وتأييده
والإيمان به سيصبح وزيره...فلم يقم أحد منهم إلا علي بحزم وإصرار رغم أنه أصغر
القوم سناً وقتها...فقبل الرسول (ص) منه وأنباءهم أن علياً سيكون عضده ووزيره
وتنبأ بأنه سيكون خليفته ووصيه من بعده...وهو ما أقره الله وتم فعلا ً وصدقت نبؤته
(ص)...وقد وفی علياً بوعده للنبي (ص) فلم يألوا جهداً في نصرة النبي والدفاع
عنه وعن الرسالة والدين وسخر حياته ووقته وجهده كله في خدمة الإسلام والرسالة
الخاتمة ونبيها وكتابها وأحكامها وأهدافها بإخلاص وصدق وإيمان لم يشهد التاريخ لهم
نظيراً لا في القديم ولا في الحديث ولا في الأولين ولا في الأخرين.
فتوفر هذا الشرط في علي إذن لا شك فيه
ومُجمع عليه من جميع العلماء والدارسين والباحثين والمؤرخين مسلمين وغير مسلمين
ومخلصين وغير مخلصين وأعداء ومحبين فهو مستوفي لهذا الشرط إطلاقا ً وهو متوفر في
عليُ بتمامه.
وبذا تكون كل تلك الصفات الأثنی
عشر اللازم توفرها منطقياً في الوصي والخليفة قد توفرت له جميعها بتماما وإستوفاها
هوه كلها إطلاقا ً...والجمع بين كل تلك الصفات لم يكتمل إلا له هوه وحده...وبذا
تكون البينة والحجة المنطقية والبرهان العقلي قد قامت ولزم لنا عقلياً ومنطقياً أن
نؤمن ونصدق ونشهد بأن علياً هو فعلا ً وحقاً وصي محمد (ص) وخليفته المنتظر بلا
شريك ولا منازع ولا ضد ولا نظير.
٢) وهذه الشروط جميعها تمامها وكمالها لم تتوفر
مجتمعة في أي شخص ممن كانوا حول الرسول (ص) وقتئذً...فمن كان إيمانه قوياً مخلصاً
لم يكن عالماً...ومن كان عالماً لم يكن سباقاً للإسلام ومن كان بجانب الرسول وله
أدوار لم يكن شاباً ويتمتع بصغر السن...ومن كان شاباً لم يكن زاهد وغير ذو
ثراء...ومن كان زاهداً لم يكن ذو قدرات جسيمة ومهارات قتالية ومن كان ذو قدرات
جسدية لم يكن ذو قدرات عقلية كبيرة وخاصة ومن كان هاكذا لم يكن حكيماً
وهاكذا...يجد أي دارس ونتحدی أن يوجد لنا أي دارس أو عالم في التاريخ
الإسلامي والشخوص الإسلامية شخصاً واحداً بجانب الرسول (ص) سواء من أهله أو أصحابه
أو قومه وعشيرته توفرت فيه كل هذا الصفات مجتمعة بتمامها كلها دون نقص واحد منها
سوی علي بن أبي طالب...فهذا إذن دليل منطقي علی أنه صاحب الحق الوحيد
في هذا المكان الذي عينه فيه الله تعالی...ولو وجدت كل تلك الصفات مجتمعة في
غيره أيضاً لسقطت هذه الحجة وقلنا إن فلانا وفلانا ً وفلانا ً كلهم إستوفوا الشروط
ولذا فكلهم صالح لهذه المهمة...ولكن هذا لم يحدث...فعدم إجتماع كل الشروط المنطقية
الواجب توفرها في الوصي والخليفة لخاتم الأنبياء (ص) هو في حد ذاته دليل عقلي
ومنطقي تماماً علی أنه هو الوصي والخليفة المنتظر لهذه الأمة من بعد نبيها
(ص). وأنت لو أعلنت عن وظيفة وحُدد لراغبي
شغلها شروطاً خاصة يجب إستيفائها حتی يمكنهم تقلد هذه الوظيفة ثم تقدم لك
مائة شخص...لم يستوفی كل الشروط منهم إلا واحداً فقط...فهل يبقی هناك
شك منطقياً في أنك ستعين هذا الشخص في تلك الوظيفة لأنه الوحيد فقط المستوفي
للشروط ولو إستوفاها أكثر من واحد لوقعت في حيرة أيهم تختار...أما الأن فقد بطلت
الحيرة وأصبح المستوفي للشروط هو صاحب الحق الأوحد في هذا المنصب وتلك الوظيفة.
٣) ثم أنه لم يقم أي شخص أو أحد ممن كان بجوار
الرسول (ص) من أهله أو أصحابه أو ممن كانوا علی زمانه...ليدعي أنه هو صاحب
الحق الإلهي والشرعي بالوصاية والولاية والخلافة من بعد النبي (ص) سوی عليٌ
وحده فقط...أما الأخرين الذين حكموا من بعد الرسول (ص) فلم يدعی أحدهم علی
الإطلاق أنه أولی بهذا المكان أو صاحب الحق الشرعي فيه وإنما كان الأمر
إختياراً أو أهواءً أو إتفاقاً أو ظروفاً أو إغتصاباً ليس إلا سواء ما قبل علي أو
ما بعده...ولكن أحدٌ من كل هؤلاء علی الإطلاق رغم فجور وكبر وكذب بعضهم لم
يدعي أبداً أنه صاحب الحق الإلهي والشرعي في هذا المكان وتلك الوصاية
والخلافة...سوی علي...فعلی ما يدل هذا منطقياً إذا كنا أثبتنا من قبل
حتمية وجود الوصي وانتظاره والبحث عنه...فلا بد إذن أنه هو الوصي المنتظر وها هوه
قد ظهر ولم يدعی الوصاية أحد غيره فهی له إذن وحده وهذه منطقية مسلم
بها....إنك لو وجدت ساعة أو قلماً في الطريق فأعلنت عنه للجميع وسألت لمن
هذا...فلم يدعی ملكيته أحداً أبداً إلا واحداً فقط كان هو المطالب والمدعي
الوحيد بأن هذا القلم أو تلك الساعة تخصه وحده وملكاً له...فماذا ستفعل
حينئذٍ...إنك بلا شك ستعطيها له بلا تردد ودون حتی أن تسأله
الدليل...لماذا؟ لأنه منطقياً وعقلياً
طالما لم يطالب بهذا الحق غيره ولم يدعي أحقيته به غيره فهو إذن صاحبه بلا منازع
وصاحب الحق الأوحد فيه وهذا عقلي ومنطقي تماماً ودليلا ً صارخاً علی أحقية
علي بهذا المكان وتلك الخلافة والوصاية.
٤) ومجرد وجود الأحاديث النبوية الواردة في النص
عليه وعلی وصايته وخلافته كأمثال حديث الغدير والذي سقناه وحديث يوم الدار
والذي قال فيه النبي (ص) بحق عليٌ علی مسمع من كل أهله وأقربائه "هذا
وزيري ووصيي وخليفتي عليكم من بعدي" ، وحديث "علي مع الحق والحق
مع علي لا يفترقان" وغيره كثير متفق عليه ومتواتر في كل كتب
الأحاديث...مجرد وجود مثل تلك الأحاديث علی لسان النبي الصادق الأمين الذي
أثبتنا وأمنا بصدقه وصدق نبوته ورسالته بدل دلاله قاطعة منطقية وعقلية علی
أن علي بن أبي طالب هو الوصي المنتظر علی هذه الأمة بعد نبيها المحدد
والمعين من الله وخليفته ووليه من بعده علی أمته وعلی رسالته الخالدة
الشاملة العالمية.
٥) وبنفس المنطق فإن عدم وجود أي أحاديث للرسول
(ص) في النص علی غيره إطلاقا ً لمنصب الخلافة والوصاية والولاية وإمتناع ذلك
يقف هو الأخر دليلا ً قوياً واضحاً منطقياً علی أن علي إذن هو صاحب هذا
المنصب وتلك المكانة ولو كان غيره أجدر وأحق بها لنص عليه الرسول في أحاديث عديدة
أو حتی حديث واحد علی الأقل كما فعل مع علي في أحاديث كثيرة تنص عليه
للخلافة والولاية والوصاية ولكن هذا لم يحدث إطلاقا ً ...وليقول لنا أي دارس أو
عالم أياً كان توجهه ويدلنا علی حديث واحد لمحمد (ص) ينص علی أحقية
غيره بخلافته (ص) والوصاية علی أمته من بعده...ولن نجد ولو بحثنا لمليون سنة
لن نجد برغم كثرة الأحاديث المكذوبة والموضوعة علی رسول الله (ص) فإن أحداً
لم يجرؤ أن يكذب عليه في مثل هذا الأمر ويدعی عليه حديثاً ينص علی غير
علي للخلافة برغم كثرة الإغراءات التي أعطيت للبعض...فما تفسير ذلك؟ إنها الحماية والعصمة للرسول ولعلي في هذا
الأمر التي تكفل الله بها في الأيات الكريمة...فلم يستطيع المبطلون والمنافقون وإن
حاولوا وجاهدوا أن يتجاوزوا هذا الحد المحدد من الله...ليبقي عز وجل هذا الدليل
والبرهان المنطقي الساطع ثابتاً علی مر الأزمان...فلا حديث واحد ينص علی
إستحقاق أي شخص للوصاية والخلافة سوی الأحاديث الكثيرة الواردة في شخص علي
والتي تقف شامخة علی مر الأزمان مهما حاول المغرضون والذين في قلوبهم مرض من
طمسها وتأويلها وتشويهها ومسخها ولكنها بقدرة الله بقيت أقوی من الجميع
وبقيت منفردة دون الجميع وبقيت رغم أنف الجميع...نعمة وفضل ودليل من أحكم الحاكمين
لكل ذي عقل وبصر وتفكر ويقين.
٦) وعندما حرم علياً قهراً من مكانه الذي إختاره
الله له في الوصاية على الأمة وولاية أمرها من بعد نبيها...لم يتخلی ولم
يتقاعس عن أداء دوره المحدد له من الله لأنه تكليف لا بد من القيام به لأنه أمر من
الله مهما كانت الظروف والصعاب...وإن كان حُرم من ولاية الأمر والخلافة...فلا أحد
يستطيع أن يحرمه من دور الوصاية والحضانة والرعاية للرسالة الذي هو أهم من كل
شئ...ولذا نجده لم يحزن ويغضب علی ضياع السلطة منه ويقبع في بيته ويبتعد عن
الأضواء كما يفعل منطقياً أي طالب ملك وسلطة سياسية يحرم منها وكما نری
دائماً هذا يحدث من حولنا...لا...بل إستمر يقوم بدور الوصاية علی أكمل وجه...فهو
يجمع القرءان وينظم شئون الرسالة ويبوب أحكامها ويقسم فقهها ثم يعلمها ويضع نفسه
دائماً بجانب الحاكم لينصحه ويوجهه ويقومه إن إعوج وإنحرف بقدر إستطاعته...حفظاً
علی مسار الرسالة وإحتضاناً لها حتی لا تتلاعب بها الأهواء وتغيرها
وتشوها النزعات والرغبات...ثم هو يحفظ أصل الرسالة ليبقی دائماً خالداً
صافياً نقياً كما أنزله الله وكما أبلفه رسول الله...وبذا يظل دائماً الحق نقياً
صافياً لا يختلط مع الباطل ولا الشوانب وإن زادت وكثرت فستظل دائماً واضحة بباطلها
وبتابينها مع الحق الصافي الواضح وغير متجانسة أو ممتزجة معه علی الإطلاق
وهذا تماماً ما قام به علي من دور...فقد حافظ علی نقاء الرسالة وكبح جماح
الحكام في الخروج علی الأحكام وأقام القرءان علماً شامخاً مكتوباً منسقاً
مقسماً بسوره وأياته أجزاءه...وهذا هو لب وأساس دور الوصي والحاضن للرسالة حتی
تكبر وتشب وتترسخ علی مر الزمن وهذا ما حدث فعلا ً...فمجرد إصرار علي علی
القيام بهذا الدور حتی بعد أن حُرم من الولاية والخلافة علی الأمة يدل
علی أنه هو صاحب الحق الحقيقي فيه والمختار له والمكلف به من الله...وإلا
فلما يصر علی القيام به رغم الصعوبات ورغم إصرار القوم علی حرمانه من مقومات
القيام به الأ وهی ولاية الأمر...لأن الوصاية دون ولاية الأمر تجعل القيام
بالدور صعباً جداً وخطر بنفس الوقت وغير مضمون النتائج في أحياناً كثيرة ومع هذا
لم يتواني علياً علی القيام بهذا الدور...فعلی ما يدل ذلك؟ إن البينة هنا واضحة جداً ومنطقية تماماً ودالة
دلالة قاطعة علی أن قيامه بدوره مع كل هذه الظروف وكل ما تعرض له يتوافق
تماماً مع أحساسه العميق وتيقنه من أنه هو صاحب هذا الدور والمكلف به من الله تعالی. وقد إقتضى حرصه علی دور الوصاية أن يضحي
بدور الولاية فلا يقاتل في سبيله ويؤثر السلامة حتی يستطيع القيام بدور
الوصي والحاضن للرسالة بأمان خاصة والرسالة في هذا الوقت تحتاج بشدة لدور الحاضن
والوصي والقائم عليها أكثر من أي شئ أخر حتی لا تموت وتتشوه في مهدها بدافع
الأطماع والطموحات والصراعات والتناحرات.
٧) والحُكام الذين تولوا ولاية الأمر من بعد الرسول
(ص) وهم يعلمون تمام العلم بأنهم ليسوا أحق بذلك...كان بعضهم يوصی إلی
بعض قبل موته...فلو كان النبي مات ولم يُوصي ولم يقم وصياً...فلما لم يسيروا علی
نهجه وسنته إذن؟ فلو قبلنا منهم بهذا القول لوجب أن نصفهم إذن بالإبتداع والخروج علی
السنة فها هو النبي لم يوصي كما يقولون ولكنهم هم قبل موتهم يخالفون عمله وسنته
ويوصون بل ويحددون من سيأتي ورائهم ويرث ملكهم...ولو قالوا...لا...إن النبي أوصی
ونحن نسير علی سنته ونفعل كما فعل...لوجب إذن أن نسألهم بما أوصی
ولِمن أوصی؟ حتی يتبين الحق
من الباطل...فمقولة "إن النبي مات ولم يُوصي" إذن هی إما كاذبة
وهم ساروا علی السنة الحقيقة ولكنهم أخفوا الوصاية النبوية وحرموا الوصي
الحقيقي...وإما صادقه فيكونوا بذلك خارجين هم أنفسهم علی السنة ومبتدعون
ومحدثون وبالتالي ضالون وبالتالي فهم في النار بنص الحديث "كل محدثة
بدعة...إلخ" وهذا غير منطقي فأيهم يختارون...وفي كلتا الحالتين فالنتيجة في
صف علي وصالحه وتؤيد بالحجة والبرهان الأكيد أن النبي أوصی له وكان هو وصيه
ولكن الأمر أخفی عن عمد أو عن غير عمد هذا يعلمه الله وحده وسيحاسب عليه
الله وحده...ولكن الوصية من النبي ثابتة مؤكدة وإلا لما سار عليها أصحابه الذين
تولو الأمر من بعده ولم يروا فيها خروجاً علی سنته.
٨) وعندما تولی علي الخلافة وولاية الأمر
فعلا ً وجاءته متأخرة عن ميعادها بستة وعشرين سنة ونصف تقريباً...وعاد حقه إليه
بعد كل هذه المدة بقضاء الله وقدرته ومشيئته وحكمته...وخلال المدة البسيطة التي
تولی الأمر فيها وعلی كثرة المشاكل التي واجهها والأعداء الذين تربصوا
به أثبت فعلا ً بكل المقاييس أنه كان الأولی والأجدار والأحق والأليق
والأكثر إستعداداً لهذا المكان ولتلك الولاية...حتی أن المسلمين الصادقين
الحقيقيين سوأً وقتها أو علی مر الأجيال بعدها وحتی الأن يهمسون في
داخلهم كلما درسوا فترة حكمة وولايته قالوا ياليته تولی الأمر منذ أوله كما
أراد له الله ورسوله وكما إختاره وأمر به الله لكانت الأمة تجنبت كثيراً من
الإنحرافات والهزات والنكسات التي أصيبت بها ولكان ميزان العدل والأنصاف إستقام
فيها ولنشأت الرسالة وترعرعت منذ أول يوم في أجواء سليمة ومناخ طبيعي محاطة بعناية
حاضنها الذي عينه الله وتحت وصايته وولايته المباشرة...وإذاً لِما تمكن الأعداء من
أن ينفذوا إليها ويحاولوا بث سمومهم فيها طالما وجدوا لذلك أبواباً وأبواب من
الحكام الغير مؤهلين الذين تولوا الأمر دون الوصي الحقيقي المختار من الله. فالدارس والباحث للحقبة التي حكم فيها علي وتولی
الأمر...يمكن ببساطة أن يدرك هذا إذا كان مُحقاً مُتجرداً مؤمناً حقيقياً عالماً
بأحكام الرسالة وأهدافها وتوجهاتها وروحها وجوهرها وحقيقتها..فقد أعاد الأمور إلی
نصابها وأحيا السنة المحمدية التي كانت قد أوقف العمل بها...وأعاد العمل بالأحكام
الإلهية التي أوقفت ، وأحيا شريعة العدل والمساواة التي تُركت ، وترك السنن الغير
نبوية التي أُدخلت علی الرسالة وعلی حياة الناس حتی كادت أن
تتسرب وتصبح جزء منها ظناً أنها من سنة النبي (ص). ثم أحيا روح الرسالة الإيمانية
الإسلامية التسليمية وأبطل البدع والمحدثات ، ثم حارب الترف والإسراف الذي دب في
حياة الناس بعد أن فُتحت عليهم بلاد الأرض وأفسد نفوسهم وأخرجهم عن روح الرسالة إلى التكالب علی الدنيا وهو ما أتت الرسالة
لتحاربه وتنقل الإنسان من الأرضية الدنيوية المفرطة لترفعه إلی الإنسانية
الأخلاقية السامية العالية لأن في هذا سموه ونجاته...ثم حاسب وُلاته حساباً شديداً
وإختارهم بدقة ولم يتردد في عزلهم إذا إكتشف فيهم ضعفاً أو نقيصة...وبذا إطمئن
الناس إلی عدالة الحكم والعودة إلی شرع الله وسنة نبيه ومبادئ وأصول
وفروع الرسالة الحقة...كل هذا في الوقت الذي كان يقاوم فيه الفتن ويحق الحق ولا
يردعه عن هذا شئ...حتی ولوكان المتجاوزين صحابة للرسول (ص) أمنوا به وقاتلوا
معه ولكنهم يحيدون الأن عن جادة الحق ويريدون تجاوز حدود الدين...فهو يتصدی
لهم أياً كانوا ليحمي الرسالة بدمه وروحه وأسنانه أياً كانت النتائج والأخطار
ومهما قيل عنه...فواجبه في حفظ ورعاية الرسالة وولاية أمر المسلمين والدين الذي
كلفه الله به ورسوله وبايع الناس عليه يوم الغدير أقدس وأهم وأعز عنده من كل شئ حتی
من نفسه وعياله والمهاجرين والأنصار أنفسهم ولذا قاتل وحارب وجاهد وتصدی
وحكم وقضی وأحيا وأبطل. كل هذا من
أجل ممارسة دوره المحدد له والمعين فيه من الله تعالی في الوصاية علی
الرسالة والولاية علی الأمة.
فهل يبقی أي شك بعد ذلك أيها القارئ المفكر في أنه
كان الأولی منذ البداية وكان الوصي المعد لهذا الدور الأصلاح له فعلياً
ومنطقياً ونصاً من الله ورسوله...وهذا دليل يشهد علی ذلك منطقي وعقلي من
فترة ولايته وحكمه فعلا ً...وكأن الله أراد أن يوليه ولو بعد ٢٦ سنة
وما كان هذا منطقياً يمكن أن يحدث بعد أن ضاع ما ضاع وفقد ما فقد وتبدل ما تبدل
وبعد أن أتسعت دائرة المؤامرة حتی أصبحت تشمل الجميع تقريباً...وبعد أن
تغيرت وتبدلت الذمم والضمائر وضعفت النفوس أمام الأموال المتدفقة من البلاد
المفتوحة...فإن كان الحق ضاع والقوم بعد علی حداثة عهدهم بالنبي ولم يتلوثوا
بعد وما زالوا في دائرة تأثيره والتأثر به وفرطوا في أمر نبيهم ولم يبالوا وبعده
لم يجف قبره...فأي قوة تلك التي أعادت الحق لصاحبه وقد ترسخ الباطل في النفوس
وأصبح التأمر هو القاعدة الثابتة وأصبح القوم كلهم لا يبالون بشئ إلا أهوائهم فقط
ونسوا كل ما عدا ذلك...منطقياً ما كان يمكن لهذا الحق أن يعود أبداً إلا بقدرة
الله مباشرة وتدخله ليغير مجری الأحداث المنطقي إلی مجری قدري
إلهي بحت ، ليری الناس بأعينهم ما فقدوه عندما فرطوا في أمر الله لهم
بإختياره وتنصيبه للوصاية والولاية والخلافة يوم الغدير ، ويعرفهم عملياً نتيجة ما
ضيعوه عندما نكثوا في بيعتهم له وارتضوا غيره لدور هو غير مؤهل له بالصفات اللازم
توفرها في الوصي والخليفة...وبذا ارتضوا أن يضعوا الشئ في غير محله...تماماً كمن
يسمح لحداداً أن يعالجه من الأمراض ويسمح لطبيباً أن يصنع له أريكة خشبية ، فهذا
غير معد لهذا العمل ، وذلك وذاك غير مؤهل لتلك الوظيفة وهذا بعينه وضع الشئ في غير
محله...ولا يترتب علی ذلك إلا الفساد والإفساد الذي لا يكتشفه الإنسان إلا
إذا وضع الشئ في محله ليری بعينيه ماذا فقد عندما فرط وأهمَل ولم يضع الشئ
في محله ، ولم يضع كل شخص في المكان والدور الذي حدده الله له.
وهذه كما نری بعض من حكمة الله في أن يحكم عليُ
ويقوم بدوره ولو لسنوات قلائل بعد أن أذاق الله الناس ثمن تضيع أمره وجزاء التفريط
في وصية نبيه طوال ٢٦ سنة متواصلة حتی تعطشوا للعدل وللرسالة
الحقيقية كما رأوها من النبي (ص) وقاموا يثورون حتى تصل ثورتهم حتی قتل
الخليفة الحاكم نفسه في المدينة بأيديهم ورفض دفنه في مقابر المسلمين وهم بهذا
إنما يعبرون عن ثورتهم المكبوتة ضد الخروج علی أمر الله يوم الغدير الذي
سمموا به ولذا كان قتلهم للخليفة رمزاً لقتلهم لرمز الخروج علی أمر
الله...ولقد تركهم الله بحكمته ليصلوا بنفسهم إلی هذه الحالة وتلك النتيجة
ويعلموا أن الضياع كل الضياع في الخروج علی أمر الله الذي أكمل به الدين
وأتم النعمة فرفضوا ذلك وأصروا علی نقض الدين وعدم إكمال النعمة وتحدوا الله
فماذا حدث...لقد تركهم الله ووكلهم لأنفسهم
لكلاب الأرض تنهش بهم وبدينهم للجاهلية تعبث بمقدارتهم ومقدارات دينهم حتی
وصل الأمر إلی ما وصل إليه وجعلهم يصلون لهذه الثورة الغاضبة العارمة في كل
أقطار الدولة الإسلامية الناشئة...وهذا ما جعل الثائرين في اللاشعور يصرون هذا
المرة علی العودة إلی تنفيذ أمر الله الأول وتولية علی للخلافة
ليعود الحق إلی أصحابه وليتموا بيعتهم التي بايعوه فيها قبل ٢٦
عاماً ونكثوا عنها فأصابهم ما أصابهم فأحسوا أنهم لن يتطهروا من هذه اللعنة وتلك
الدوامة والعذاب إلا بالعودة إلی الخطأ الأول والأساسي لإصلاحة فاجتمعوا علی
علي ليقبل البيعة والخلافة وهوممتنع حتی هددوة بالقتل إن لم يفعل حتی
قبل...لما فعل الله كل ذلك؟ ليريهم كيف
ستستقيم الأمور الأن مع علي ويحق الحق ويسود العدل وهو ما كان سيحدث لو أنهم نفذوا
أمر الله من لحظة وفاة الرسول (ص) ولم يقبلوا بغير ذلك تحت أي ظرف حتی ولو
كان إراقة أعز الدماء طاعة لله ورسوله وهل قام الإسلام كله إلا علی الطاعة
المطلقة لله ورسوله في كل شئ الصغير قبل الكبير والبسيطة قبل العظيمة دون تهاون أو
تقصير تحت أي ظرف ولأی سبب...وكان هذا درساً عظيماً من الله للناس ولكن من
يری ومن يسمع ومن يفهم ومن يفقهه.
ويحلوا لنا هنا أن نسمي هذا البند بالذات وهذا البرهان والدليل ، أن نسميه
بشهادة التاريخ علی صدق وأحقية علي بالولاية والوصاية والخلافة علی
الأمة والدين.
٩) والباطل دائماً وبطبيعته علی مر الأزمان
ليس كثير الأعداء بين الناس وهذه سنن من سنتة الله وحكمة من حكمه...لأن من طبع
الباطل دائماً محاولة إرضاء الناس وإرضاء الأهواء لا كتساب المؤيدين ليستمر ويطول
عمره ويتمكن في الأرض أكثر...أما الحق فهو دائماً علی النقيض تماماً وهذا
مشاهد حولنا وفي حياتنا وعلی مر التاريخ...فهو كثير الأعداء والخصوم لأنه
يحق الحق ولا ينحني لأهواء الناس ليسترضيها بل يتصدی لها ليخضعها لسلطانه
ولا يقبل بأقل من هذا ولذا فهو مكروه من أصحاب النزوات والشهوات والإنحرافات
والميول والأهواء...وهذا كله منطقي ومعروف ومشاهد كل يوم كما قلنا...والوصي
المنتظر جاء ليحق الحق دائماً ويبطل الأباطيل ويتصدی لكل الأهواء والنزوات
والشهوات المنحرفة...ومنطقياً إذن بناء علی ما سبق أن نجده كثير الأعداء
والخصوم ، كثير المعارك والحروب لا يهنأ له بال ولا يهدأ له قرار...وكل يوم يحمل
له المزيد من الأعداء. فإن وجدناه كذلك
عرفنا فعلا ً منطقياً أنه الوصي والمحق للحق والحامي من الإنحراف والإفساد فهل كان
علي كذلك...سنترك التاريخ يشهد ويحكي لنا كيف عودي الرجل كما لم يعادی أحد
من قبله...وكيف حورب وقوتل وخرج عليه أقوام وأقوام تارة من الشرق وتارة من الغرب
وخذله أقوام حتی من بين يديه ومن المقربين إليه ويكفي أنه خاض خلال فترة
خلافته البسيطة المعارك تلو المعارك كلها ضد خصومه من المسلمين وأعدائه والخارجين
عليه وخاذليه وأيضاً من المسلمين مع الأسف الشديد فهذا يوم الجمل ضد مسلمين صحابة
للرسول (ص) نكثوا بيعته وخرجوا عليه لا لشئ إلا لأنه يريد إحقاق الحق فهم متضررون
من ذلك وجعلوا علی رأس جيشهم أم المؤمنين وإستحلوا وحربه وهو ولي
الأمرالواجب الطاعة بأمر الله وأمر رسوله سواء يوم الغدير أو يوم بيعته بعد مقتل
عثمان...ويخرج في جيش الباطل الكثير من المسلمين المشهود لهم. وتدور المعارك ويقتل العشرات والمئات من
المسلمين...ثم يأتي يوم صفين...ضد القاسطين والمفسدين ودعاة الإنحراف بالإسلام
ليصبح ملكاً عضوداً كملك كسری وقيصر...وفي هذا الجيش الضال ألوف المسلمين
ومنهم صحابة قاتلوا مع الرسول (ص)...وتدور المعارك ضد عليٌ وجيشه وهو علی
الحق ويسقط الألوف...ثم يأتي يوم النهروان والعدو هذه المرة من الخوارج الذين
خرجوا علی بيعته وخذلوه وانقلبوا عليه...وتدور المعارك ويقتل المئات...فلِما
كل تلك العداءات والإنقلابات والنكوثات ولِما لم يحدث كل ذلك مع من سبقوه...ولكنها
الحقيقة المعروفة المشاهدة التي ذكرناها في أول البند...فالحق دائماً كثير الأعداء
والباطل قليل الأعداء...فكثرة أعداء علي إذن وكثرة حروبه دلالة منطقية علی
أنه الوصي والولي والخليفة المعين من الله الذي يحق الحق ويبطل الباطل ولذا فهو
الأحق والأجدر بهذا المكان وهذا المنصب وهذا دليل عقلي ومنطقي واضح يفهمه كل ذي لب
حكيم يعلم بواطن الأمور ويری حكمة الزمان والأحداث والحياة من حوله...فكثرة
أعداء علی دليل له وليس عليه كما يريد بعض المبطلون المزيفون المنافقون أن
يصوروا ويدعوا ويوهموا.
١٠) والدين الإسلامي والرسالة الخاتمة نزلت من الله
ومن أهم أهدافها التصدي للإستكبار والمستكبرين والظالمين في كل زمان
ومكان...والأخذ بيد الضعفاء والمستضعفين والبسطاء والمقهورين ضحايا الظلم
والإستبداد والإستكبار ونصرهم في كل مكان وفي كل زمان...فمن الطبيعي إذاً أن نجد
المستضعفين والبسطاء والمقهورين والضعفاء والفقراء هم أشد وأخلص أعوان الرسالة ومن
أكثر المؤمنين بها والمدافعين عنها وعن أصالتها وأحرص الناس علی عدم
أنحرافها عن مسارها لأن في هذا هلاكهم وإعادة لهم لإحضان ظالميهم وكبرائهم الذين
قهروهم واستكبروا عليهم...فمصلحتم إذن تكمن في إستمرار الرسالة علی أصالتها
وتنفيذ أحكامها كلها كما أنزلها الله وشبوب الرسالة وترسيخها ونموها لأن في هذا
خلاصهم ونجاتهم وعزتهم بعد ذله وقوتهم بعد ضعف...ومن الذي سيقوم بهذا الدور الحافظ
للرسالة بعد النبي سوی الوصي...فمنطقي إذن أن نجد هؤلاء البسطاء والمستضعفين
والمحرومين أن نجدهم مؤيدين مؤزارين مناصرين للوصي ومنتظرين قدومه ولا شك أنهم
كانوا دائمي سؤال الرسول عن إسم الوصي الجديد علی الدين وعليهم طوال التسعة
أيام التي سبقت يوم الغدير منذ أن علموا بخبر دنو أجل نبيهم وحاميهم وراعيهم وراعي
دينهم الجديد الذي أعاد لهم كرامتهم وحُريتهم وعزهم وذلك حتی يطمئنوا علی
مستقبلهم ومستقبل الدين والرسالة التي تتعلق أمالهم ويتعلق مستقبلهم بها...ولا شك
أنهم كانوا من أكثر الناس فرحاً يوم الغدير حين علموا أن الله إختار علي وصياً
وخليفةً وولياً عليهم من بعد نبيهم...لأنهم يعرفون جيداً أنه سيكون خير خلف لخير
سلف وأنه سيسير بهم علی نهج نبيهم وسيرته وسيرعی دينه ورسالته حق
الرعاية ويسير بهم في نفس طريقه...ولذا نجدهم من أول من يبايع علياً فبهذا عمار بن
ياسر وذاك بلال بن رباح وهذا المقداد بن الأسود وهذا أبي ذر الغفاري وهذا سلمان
الفارسي...ثم ماذا حدث بعد ذلك...لقد علمنا الأن منطقياً أن هؤلاء يسيرون دائماً
في ركب الوصي الحق ويكونون دائماً مع الحق وعلی الحق...لأن ذلك هو طريق
نجاتهم وعزتهم وحريتهم الوحيد ولذا قال الرسول (ص) ...عمار مع الحق دائماً وقال
"عمار تقتله الفئة الباغية" ومعنی ذلك أن عماراً كونه من
المستضعفين فهو يعرف الدين الحق دائماً ولا يكون إلا معه وفي صفة ولا بد إذن وأن
قاتله ليس علی الحق وإنما علی الباطل والضلال فالمقصود بلا شك هنا هو
الجانب الذي يكون ضد عمار ويقتله هو الجانب الباغي والعكس صحيح فإن الجانب الذي يكون
عمار يحارب معه دائماً وهو الجانب المحق...وهذا يبطل كذب التصور الذي أطلقه بعض
المنافقين بأن من قتل عماراً هو من أتی به إلی الحرب...هذه المقولة
التي أضلت ضعاف العقول وعديمي الألباب الذين صدقوها وأنطلت عليهم وراحوا
ضحيتها...فلننظر الأن أين كان موقف هؤلاء المستضعفين...فإن
من موقفهم يُعرف الحق كما يفرض المنطق والعقل وكما قال الرسول (ص)...إن موقفهم
ومنذ وفاة الرسول الأكرم (ص) لم يفارق علياً...إن أمتنع عن البيعة امتنعوا وإن
بايع بايعوا...وهُم الذين إلتفوا حوله بعد مقتل عثمان وطالبوه بقبول الخلافة
ووقفوا معه وأيدوه ونصروه وحاربوا وجاهدوا معه ولم يتخلفوا عنه وإستشهدوا بين
يديه...فمِن موقفهم هذا مع عليٌ نعرف إذن إنه كان علی الحق ومن موالتهم لعلی
تقوم الحجة والدليل والبرهان علی أنه الأولی والأحق والأليق والأنسب
لخلافة سيد المرسلين وللوصاية علی الدين وللولاية علی المسلمين.
١١) والباطل المطلق والحق الملبس والمزيف والمصطنع
لا يُختلف عليه بين الناس ولا تفترق عليه الأمم ولا تصطف للقتال وهذا واقع التاريخ
علی مر الأزمان وكل عالم أو دارس تاريخ يعلم هذه الحقيقة المنطقية الواقعية
المشاهدة دائماً لأنه يخدع معظم الناس ويحاول أن يسترضي الجميع...ولكن الحق الصادق
النقي...يُختلف عليه وتفترق عليه الأمم ويصُف الناس إلی صفين وفريقين...فريق
مع الحق وفريق مع الضلال والزيف
والتلبيس...والقوم يكونون صفاً واحداً بلا خلاف حتی يظهر النبي أي
نبي فيختلفون ويفترقون ويصطفعون صفين وفرقتين فريق مع النبي وفرق ضد النبي ومع
الضلال والباطل والزيف والتلبيس...هذه منطقية واضحة مشهودة ثابتة علی مر
الأزمان.
فإختلاف الأمة إذن وإفتراقها والتقاتل
بينها دليل منطقي وعقلي علی ظهور الحق الصادق النقي فيها...فإذا علمنا أن
الأمة إختلفت فقط من بعد نبيها علی علي وافترقت وأصطفت وتقاتلت علی
علي...أفلا يدل هذا منطقياً علی أنه هو كان الحق الصادق النقي ولذا افترقت
الأمة عليه...إذن فاختلاف وافتراق الأمة علی علي دليل علی أنه علی
الحق وأن الحق معه وإلا لما اختلفت وأفترقت الأمة تماماً كما حدث للعرب مع ظهور
النبي (ص) ، وما قبله لم يكن بينها خلاف ولا إصطفاف
للقتال فريقين اثنين ولم يحدث لها هذا إلا مع ظهور محمد (ص) وهو احلق وعلی
الحق ولم يحدث لها هذا مرة ثانية إلا مع ظهور علی وولاية علي وخلافة علي فهو
إذن ايضاً عقلياً ومنطقياً علی الحق ومع الحق وصاحب الحق كل الحق في الخلافة
والوصاية والولاية...ولهذا اختلفت عليه وإفترق عليه وتُقاتل عليه...وهذا دليل
واقعي ومنطقي من قلب التاريخ.
١٢) ولقد نبأ الرسول الأكرم (ص) علياً بأنه سيستشهد
علی يد أشقی هذه الأمة الذي يخضب لحيته بدماء من رأسه...وكان علياً
بعد ذلك وفي أواخر حياته يتعجل الشهادة ويقول متی ينبعث أشقاها...فإذا كان
الرسول الأكرم (ص) أسمی قاتل علي بأشقی هذه الأمة...فعلما تدل هذه
التسمية من الرسول...إن العقل والمنطق يستنتج أنه سُمی أشقاها أو أشقی
الأمة لأنه سيقتل خير وأفضل الأمة وهذا لازم من فهم فنون اللغة العربية وتقابل
وتوازن المعاني فيها وفي عباراتها فلما يسمی أشقی الأمة قاتل علياً
بهذه الصفة المميزه إذا لم يكن لأنه قاتل أفضل هذه الأمة...ولما يكون هو أشقی
الأمة؟ لا بد منطقياً أن يكون ذلك لأنه
سيحرم الأمة من أخيرها وأفضلها وأسيدها...فإذا كان هذا منطقياً مفهوماً من حديث
ونبوة الصادق الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين (ص)...وإذا كان علياً بناء علی
هذا أخير الأمة وأفضلها فوجب عقلا ً ومنطقاً أن يكون هو وليها ووصيها والخليفة
عليها.
١٣) والإختيار من الله لمنصب الوصاية والخلافة
والولاية علی الأمة والرسالة والدين من بعد النبي الخاتم هو بلا شك خصوصية
وإختصاص من الله للشخص المختار...تماماً كما هو إختيار الأنبياء والرسل هو خصوصية
وإختصاص من الله تعالی لشخوصهم الكريمة...وعادة وكما نری دائماً فإن
الخصوصية والإختصاص تكون متنوعة ومتعددة في حياة الشخص ولا تتوقف عند حد موقف معين
أو إختصاصه لدور مُعين...فالمختص بشئ من الله تعالی يتجاوز أختصاصه من الله
عادة حدود ما إختص به ليتناول اختصاصه بأشياء أخری في حياته شخصية
وعامه...وذلك للدلالة الإعجازية من الله علی أن هذا الشخص مختص فعلا ً وله
خصوصية غير البشر بشكل عام...فيكون هذا أدعی لهم لتصديق خصوصيته الأساسية
المختص بها سواء كانت إرسال برسالة سماوية أو وصاية علی تلك الرسالة وولاية
من الله...وهذا منطقي ومفهوم ومشاهد...فلو أن الله إختص إنساناً بدور ما دون
الناس...فلو توقف هذا الإختصاص علی هذا الدور فقط لتمرد الناس علی
الإختيار وشككوا فيه واعترضوا عليه...أما إذا كان الإنسان المختص بهذا الدور أختص
بأشياء أخری أيضاً من الله غير الدور المختار له جعلته متميزاً في حياته
بشكل عام بخصوصات أخری تجعله منفرداً بين الناس فوقتها سيسهل علی
الناس تقبل إختصاص الله له لهذا الدور الخاص طالما كان له إختصاصات أخری...وهذا
جزء من حكمة الله والتي لن نستطيع وإن حاولنا الإحاطة بها...والأمثلة كثيرة...فنبي
الله موسی لم يختص برسالة الله فقط ولكن إختص بأشياء كثيرة طوال حياته جعلته
متميزاً وخاصاً عن غيره...فتربيته بعد مولده وإلقائه في اليم خصوصية ونشأته في بيت
فرعون عدوه خصوصية ، ولعثمة لسانه وسوء يده
خصوصية ، وقتله للمصري بضربة واحدة خصوصية ، وهروبه هائماً وحده في الصحراء خصوصية
، وزواجة من بنت نبي خصوصية ، وكلامه مع الله وكونه الوحيد من الأنبياء الذي كلمة
الله تكليماً خصوصية ، وقوته الجسمية الفولاذية خصوصية كل تلك كانت أشياء خصوصية
في حياته غير خصوصية الرسالة جعلته متميزاً عن غيره في أشياء أخری في سير
حياته عدا خصوصية النبوة والإختيار من الله...فإذا علمنا بعد ذلك أن الله إختصه
بالرسالة فلا عجب ويجب أن نصدق فالله إختصه بأشياء أخری كثيرة غريبة في
حياته عن الغير فلِما لا يختصه الأن أيضاً بالنبوة والرسالة والمعجزات الإلهية.
وهذا عيسی نبي الله وخصوصيته في
مولده بغير أب جعلته متميزاً عن غيره من البشر وخصوصيته في عدم زواجه وعدم إنجابه
وخصوصته في زهده وخصوصيته في كلامه في المهد صبياً ، وخصوصيته في الرفع إلی
الله كل هذه خصوصيات علی طوال حياته تختلف عن خصوصية إختياره للنبوة
والرسالة...وتجعل خصوصية إختياره للرسالة مقبولة ومعقولة ومفهومة ومتوقعة طالما
سبقتها خصوصيات أخری متعددة وهذه حكمة الله ونعمه علی البشر ليسهل لهم
الإيمان بأنبيائهم ورسلهم وأوصيائهم وأوليائهم المختارين خصوصية وتخصيصاً من الله
تعالی...ولو درسنا كل تاريخ الأنبياء لوجدنا بالمثل كان إبراهيم ويوسف وداود
ويونس وإسماعيل ويعقوب إلخ...
وهذا خاتم الأنبياء والمرسلين
(ص)...إختص بأشياء علی طول حياته قبل الرسالة ميزته عن الناس وجعلت له
خصوصية مميزة...فمولده في عام الفيل بالذات وهو العام الذي تدخل فيه الله بمعجزة
سماوية لإنقاذ بيته الحرام خصوصية...ووفاة والده قبل مولده تم وفاة والدته وهو بعد
طفل صغير جداً ونشأته يتيماً محروماً خصوصية ، وتربيته في بيت جده تارة وفي بيت
عمه الفقير تارة خصوصية ، وفقره وخروجه للعمل وإشتغاله منذ الصغر والحداثه بالرعی
وبالتجارة خصوصية ، وعدم تعلمه القرءاة والكتابة على يد بشر خصوصية ، وأخلاقه
الرفيعة علی مرحياته خصوصية وأمانته وصدقه المطلق خصوصية ، وإبتعاده عن
اللهو والعبث كغيره من الشباب خصوصية ، وزواجه من خديجة التي تكبره بعشرين عاماً
خصوصية ، وإستمرار وتوافق هذا الزواج رغم الفوارق وعدم تعدد زوجاته (ص) طوال حياته
مع خديجة وهذا لم يكن طبع العرب إطلاقا ً خصوصية ، وتعبده وخروجه وحيداً في غار
حراء خصوصية ، بهاء طلعته وجمال ريحه وبلاغه وطهر لسانه وحكمته وحسن خلقه ومعاشرته
خصوصية...كل تلك خصوصيات غير خصوصية إختياره للنبوة والرسالة ولختم النبوات
والرسالات.
فإذا كان هذا صحيحاً كما رأينا فيجب إذن
أن نتوقع أيضاً منطقياً أن تكون للوصي والولي خصوصيات أخری في حياته هبة من
عند الله له غير خصوصية إختياره من الله للوصاية والولاية من بعد نبي هذا بصرف
النظر إن كنا سنری هذه الخصوصية في ظاهرها ذات قيمة أو غير ذات
قيمة...مفهومة أو غير مفهومة...مقبولة أو مرفوضة...المهم أنها خصوصية تميزه عن
غيره من الناس وعن أقرانه وتجعله شاذاً في هذا المجال وغريباً ومتميزاً عنهم...فهل
لعلي مثل هذه الخصوصية في حياته غير خصوصية إختياره للوصاية والولاية حتی
تأنس النفس وتطمئن في أنه طالما إختص من الله بخصوصيات أخری في حياته فلا
مانع منطقياً وعقلياً بأن نقبل بأنه إختص أيضاً بالوصاية والولاية علی الأمة
من بعد نبيها بأمر من الله وإختص بخلافته بإختيار وخصوصيةً من الله...طالما أن في
الأمر سابقة خصوصية والخصوصية في حياته من الله ليست جديدة عليه؟ وذلك قياساً منطقياً علی ما رأيناه
وشاهدناه في حياة كافة الأنبياء والرسل من قبله وحياة كافة الأوصياء والأولياء
أيضاً (وما شهدناه ونشاهده من الناس حولنا ممن يختصهم الله بأدوار مخصوصة في
الحياة تؤثر في حياة البشر وتغير حركة ومجری التاريخ وتترك بصمتها علی
الأحداث وعلی الناس خيراً أو شراً نفعاً أو ضراًً).
وللإجابة نقول بكل إرتياح نعم وألف
نعم...لقد كان في حياة علي خصوصيات كثيرة إختص بها عطاءً من الله دون عن الناس
ودون عن أقرناءه ومعاصريه جعلته متميزاً عنهم جميعاً وليس لأحدهم مثلها...وهذا
دليل وبرهان رباني واضح لا يقبل الشك في إستحقاقه لخصوصية الولاية والوصاية بعد
محمد (ص) وخلافته في أمته بأمر وإختصاص من الله دون عن بقية الناس من أقرناءه
وأهله ومعاصريه وأصحاب النبي وأهله كافة...وطالما إختص من الله في حياته في مواضع
عديدة فلِما لا نقبل ونسلم بأنه إختص بهذا الفضل والشرف أيضاً في إستخلافه بعد
خاتم النبيين وإختياره وإصطفائه لهذا المكان من الله...بل إنه أيضاً من المنطقي
إذا لم تكن حادثه الغدير وإعلان إختيار الله له صراحة وبوضوح من قبل النبي (ص)
ومبايعة الناس له...نقول إذا لم يكن كل ذلك وعرض علينا مائة من خيار صحابة النبي
لنختار بإرادتنا وصي وولي بعد رسول الله (ص)...لوجب منطقياً أن نختاره هوه بناء علی
كثرة ما هو مرأي من إصطفاء الله له وإختصاصه بأشياء كثيرة في حياته لم يختص غيره
بها...فلِما إذن لا نختاره لولاية أمرنا ونختصه بها دون غيره وقد إصطفاه الله وإختصه
لغير ذلك من الفضل والكرامة عدة مرات...مما لا يتوفر لأحد غيره من المرشحين
الأخرين...فأنت مثلا ً لو أعلنت عن وظيفته وتقدم لك مائة شخص لشغلها...فلا شك أنك
ستختار من له خصوصية العلم دونهم أو خصوصية الخبرة أو خصوصية حُسن السير والسلوك
أو حمل شهادات الأداء الجيد من الأعمال السابقة...وستقيس وتأخذ هذه الخصوصيات
السابقة في إعتبارك حتی ولولم تكن معلقة بطبيعة العمل أو الوظيفة المراد
شغلها...وذلك لأن الأخذ بتلك الخصوصيات والتميزات جيدة كانت أو سيفه منطقي تماماً
في مثل تلك الظروف...وهذا نفسه ما فعله المسلمون وبنوا عليه يوم السقيفة يوم أن
طبقوا نفس المبدأ ولكن طبقوه خطأً بعقولهم المتخلفة فالمبدأ كان صحيحاً ولكن
التطبيق كان عبياً...واستحلوا بذلك النكوث في بيعتهم لعلي يوم الغدير...فلقد قال
الحاضرون عندما عرض عليهم تولية أبا بكر للخلافة...ماذا قالوا؟ قالوا "إن كان
رسول الله ارتضاه لديننا أفلا نرتضيه لدنيانا" وقاموا يبايعونه وهم يقصدون بهذا القول حسب
زعمهم حين أمر رسول الله (ص) في اليوم السابق لوفاته عندما إشتد عليه المرض أبا
بكر ليصلي بالناس (وهذا ما لم يحدث أبداً) فإعتبر القوم أن هذه خصوصية لأبي بكر
وتميز إستحق معه وبناء عليه منطقياً أن يختصوه هم أيضاً بالولاية
والخلافة...المبدأ صحيح ولكن التطبيق خاطئ...لأن إختصاص أبو بكر (إن صح) واحد فقط
وعليٌ إختص ألف مرة علی طول حياته...ولأن إختصاص أبو بكر هنا من الرسول (ص)
نفسه (إن صح) وربما لظروف لا نعلمها ولكن إختصاص عليٌ في سيرة حياته كلها هو قدر ي
من الله تعالی نفسه...ولأن تقييم الإختصاص نفسه لا بد أن يكون ذو قيمة كبيرة
لتطبيقه علی ما هو أعلی فلا أستطيع أن أقول أن من أعطاء رسول الله مرة
بردته قد إختص ولذا فهو أولی بالخلافة لأنه لو أطلقنا هذا المبدأ بهذه
الطريقة لوجدنا أن كل الصحابة لهم خصوصيات مختلفة ولذا فكلهم مستحق للخلافة...إن
هذا لا يجوز عقلياً ومنطقياً...لأن موضوع الولاية والوصاية والخلافة أهم وأخطر
بكثير جداً من إمامة صلاة ، أو إمارة سرية ، أو الإمساك بزمام بعير الرسول أو حتی
مجرد مرافقته في رحلة الهجرة والتواجد معه في الغار...إنا البناء المنطقي هنا يجب
أن يتوازن إذا أريد أن يكون الإستنتاج صحيحاً...فلا يكفي مثلا ً حينما يختار شعب
شخصاً لمنصب رئيس الدولة أو يختار شخصاً لمجرد أنه سلَم مرة على الرئيس السابق ،
ولذا فهو صاحب خصوصية أولأنه ظهر مرة في صورة أو إحتفال بجانب الملك السابق فهو
إذن صاحب خصوصية تستحق أن نبني عليها منطقياً بأحقيته لمنصب الزئاسة...إن هذا كله
يعتبر من باب السفه وليس المنطقية العقلية ولا يؤدي في النهاية إلا لأفدح الإخطار نتيجة لعدم منطقية وسؤ الإختيار.
ونعود الأن ونسأل ما هی الخصوصيات
الإلهية الهامة تلك التي كانت في حياة علي والتي تستحق فعلا ً أن نبني عليها إذن
بأحقيته وإستحقاقه لخصوصية الوصاية والولاية علی الأمة والخلافة عليها بعد
نبيها (ص) دون غيره من الناس وللإجابة علی ذلك نورد الخصوصيات التالية وهى
البعض فقط وليس الكل وللقارئ المفكر أن يحكم عليها وهل تستحق أن يُبنى عليها
إستحقاقه للإختصاص بالوصاية والولاية أم لا؟
أولا ً:
علي بن أبي طالب هو الإنسان الوحيد من بين بني البشر جميعاً الذي وُلِدَ في
داخل الكعبة...بيت الله الحرام في مكة ولقد ذكرنا قصة بناءها من علی يد نبي
الله إبراهيم وإسماعيل بأمرمن الله ولم ينل هذا الشرف أحد قبل عليٌ ولا بعده ولا
حتی من الأنبياء والرسل...فأي خصوصية وإختصاص من الله هذا شُرف به هذا
الإنسان دون الناس كافة له ألف دلالة لكل مفكر مؤمن حُر ونزيه ولن نعلق وسنتركك
أيها القارئ المفكر لتستنتج ما يحلو لك من هذه الخصوصية ولتسأل نفسك هل هذه خصوصية
وإختصاص وإصطفاء من الله أم من البشر...وعلی ما ذا يدل إختصاصه هو وحده فقط
دون عن كافة بني البشر أجمعين بذلك الفضل والتشريف من الله؟ سنترك السؤال مفتوحاً والإستفسار مطروحاً
للعقول الناضجة الذكية الحكيمة لتعمل فيه وتنهل منه وتستنتج بعد ذلك ما تشأ ثم تبني
علی إستنتاجها ما تشاء وبلا شك سيكون إستنتاجاً منطقياً صحيحاً وسليماً
ومفيداً طالما كانت العقول ذكية ناضجة حكيمة مخلصة شريفة ونزيهة.
ثانياُ:
علي بن أبي طالب هو الوحيد الذي نال شرف إختياره للزواج من فاطمة بنت محمد
الزهراء سيدة نساء العالمين بنص حديث الرسول (ص) المتفق علی صحته
وتواتره...وقد كان إختياره لهذا الزواج بأمر من الله لنبيه رغم كثرة خطابها من
وجهاء القوم وإشرافهم ورغم صغر سنها وقتها ورغم معارضة القوم علی أساس أن
علي فقير وصغير وستعاني فاطمة معه عكس لو تزوجت أحد الوجهاء الأغنياء الكبراء
فستعيش عيشة مرفهة ناعمة تليق بكونها بنت النبي وسيدة نساء العالمين...ولكن النبي
أخبرهم بأنه إختيارالله ولا شأن له به...فعلی ما يدل إختيار الله لعلي لهذا
الفضل والشرف الذي فوجئ هو به ولم يكن يتصوره أو يحلم به؟! هل هذا إختيار بشري أو حتی نبوي أم هو
إختيار إلهي قدري بحت؟ وماذا نستنتج من
هذه الخصوصية والإختصاص لعلي من الله تعالی؟ وبما يمكن أن نصف زوج سيدة نساء العالمين
المختار لها من الله؟ إن زوج الملكة
منطقياً هو ملك وزوجة الأميرة هو أمير أو علی الأقل أشرف النبلاء...فما هو
وصف زوج سيدة نساء العالمين والمختار من الله؟
هل يمكن إلا أن يكون سيداً هو الأخر أو قديساً أو ولياً أو وصياً أو أميراً
ولكن ليس أميراً علی بلدان فالأمر لا يتعلق بالبلدان ولكن بالدين والرسالة
والإيمان فلا أقل من أن يوصف إذن ويسمی بأمير المؤمنين وهذا فعلا ً ما وصفه
به رسول الله (ص) فأمير المؤمنين يتزوج سيدة نساء العالمين...نعم إن هذا منطقي
وعقلي ويتقبله الذوق والفكر والتدبر السليم والمنطقي. وهل يقبل الله أن يكون زوج سيدة نساء العالمين
التي شرفها وطهرها ورفعها فوق كل نساء العالمين إلا علی أعلی درجات
الطهر والإيمان والشرف واليقين الحقيقي.
ولقد ظلت فاطمة زوجة علي الوحيدة حتی وفاتها ولم يتزوج عليها طوال
حياتها رغم أن هذا كان شائعاً لدی العرب وحدوثه متوقعاً مؤكداً...فهذه
خصوصية أخری لعلي...ولم يطلقها أو يموت عنها وتتزوج هی بغيره وهذا كان
شائعاً جداً وروتين حياة لدی العرب ولكن لم يحدث وهذه خصوصية أخری
له...فلو إجتمع لسيدة نساء العالمين زوجاً أخر بعد وفاة علی مثلا أو طلاقة
لها لقلنا أن الإختصاص بزواج سيدة نساء العالمين شمل رجلين وربما أكثر، فنساء
العرب كن أحياناً يتزوجن بخمسة أو ستة وهذا شئ عادي كلما طلقت أو مات عنها زوجها
أو قتل في الغزوات...ولو حدث هذا لتعدد الفضل والشرف لعدة رجال ولكن لم يحدث فهذه
إذن كانت خصوصية لعلي وحده دون الناس لم يختص بها أحد غيره علی الإطلاق
ففاطمة الزهراء بنت محمد سيدة نساء العالمين لم تتزوج في حياتها ولم يدخل عليها
زوج أبداً سوی علي بن أبي طالب فقط فأي تشريف من الله له وأي كرامة وأي
إختصاص...ولم يكن هذا إلا نادر الحدوث جداً في هذا الوقت من الزمان...فعلی
ما يدل أيها القارئ المفكر؟ وهل يستحق هذا
الإختصاص من الله له بأن يبني عليه بصلاحيته وأحقيته وصحة إختصاصه للوصاية
والولاية علی الأمة بعد نبيها دون غيره أم لا؟
ثالثاً: والحسن
والحسين هما سيدا شباب أهل الجنة بنص الحديث المتفق عليه والمتواتر...فمن أبوهما
إنه علي بن أبي طالب ومن أمهما إنها فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين...أفليس هذا
إصطفاء وخصوصية له أن يكون هوه والد سيداى شباب أهل الجنة...والذرية الوحيدة
الباقية لرسول الله (ص) حيث أن رسول الله (ص) لم يعيش له أبناء ولا بنات إلا نسل
فاطمة..لذا فكل عقب رسول الله (ص) هو من صلب علي...فأي تشريف وتكريم وإصطفاء له
أكثر من ذلك...وهل الخصوصية هنا هی بقدرة إلهية قدرية أم من صنع يد
بشرية؟ وعلی ما تدل؟ فهل يكون والد سيداى شباب أهل الجنة إلا قديساً
وعلی أعلی درجات الإيمان واليقين حتی أن الله شرفه بهذه
الأبوة...هل لا يستحق مع هذه الخصوصية التي له وحده ولم تكن لغيره أبداً ومع هذا
الإصطفاء من الله ألا نقبله ونصطفيه ونخصه نحن أيضاً بالوصاية والولاية علينا من
بعد رسوله (ص)؟
رابعاً:
الكثير من أيات القرءان الكريم بإجماع معظم أهل العلم والتفسير النزهاء
والمنصفين نزلت في حق علياً بتكريما واضحاً له وإن لم تذكر إسمه مباشرة...ومنها
أيات تذكر أحداث وتصفها لم يفعلها إلا علي ولذا فهی ثابتة النزول في حقه
ومدحه ومدح فعله كأية التصدق في أثناء الركوع (وكان علي قد تصدق وهو راكع في صلاته
بخاتمه لسائل دخل المسجد يسأل الصدقة)...وأية إطعام المسكين واليتيم والأسير
(وعلياً كان أطعم في يوم واحد من أواسط ما يحب مسكيناً ويتيماً وأسيراً)...وغيرها
أيات أخری كثيرة أجمع المفسرون علی أنها نزلت في حق علي...فعلی
ما يدل هذا أيها القارئ المفكر؟ علی
ما يدل تكريم الله مباشرة ومدحه لفعل علي وصفه علي...أفلا نقبله بعد هذا إذن
للولاية والوصاية؟! ونفضل عليه
غيره؟! وهل هذا الإصطفاء والخصوصية من صنع
الله وحده في كتابه أم هی من صنع البشر؟
ألا يقف هذا شاهد له وداعياً للبناء عليه والإستنتاج منه منطقياً أحقيته
للوصاية والولاية علی الأمة من بعد نبيها (ص) حتی ولو لم يكن الله قد
إختاره صراحة لهذا المكان.
خامساً:
وفي يوم المباهلة...يوم أن أُمر الرسول (ص) للخروج لمباهلة زعماء نصاری
نجران وقد سبق شرح هذه الواقعة في القضية الثانية...فمن أُمر الرسول بأن يأخذ
معه؟ لقد أُمر وأن يأخذ معه فاطمة والحسن
والحسين وعلي فقط...فأي تكريم وخصوصية هذه لعلي...ففاطمة بنت محمد ومنطقي أن
يأخذها وكذا الحسن والحسين هم أحفاده ومنطقي أن يأخذهم ، ولكن ماذا عن علي...فلِما
هذه الخصوصية له...ثم تتنزل أية المباهلة لتصف علي بأنه نفس الرسول...فما معنی
هذا ومن ذا إذن الذي إختصه وإصطفاه وأعطاه هذه المكانة؟ هل هو محمد أم الناس أم رب العالمين والخالق
العظيم نفسه؟ فهل بعد أن يختصه الله بهذه
الميزة العظيمة دون العالمين ودون صحابة محمد أجمعين...نستكثر نحن أن نخصه بناء علی
هذا بخلافة رسول الله (ص) والوصاية علی أمته...إن كنا حقاً نحب الله...فإن
من يحب الله حقاً يخص من خصهم الله...ويصطفي من إصطفاهم الله...ويختار من إختارهم
الله...وأما من يعبد الله علی حرف ولم يخالج الإيمان الحقيقي واليقين قلبه
فهو يتبع هواه لأنه إلهه الذي يطيعه حقاً ويدين له بالولاء والإستسلام.
سادساً:
وحديث الكساء وهو وارد وثابت في معظم كتب المسلمين وفيه ضم الرسول (ص) علي
وفاطمة والحسن والحسين تحت الكساء وقال "هؤلاء هم أهل بيتي الذين أذهب
الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا"
أي الذين نزلت فيه أية التطهير الكريمة في القرءان الكريم...فهل هناك
إختصاص وخصوصية لعلي أكثر من هذا...وهل فاز أحد من آل محمد وأبناء عمومته وأصحابه
بمثل هذا الشرف والتخصيص والإصطفاء والتطهير...وهل هذا التخصيص والإصطفاء هو من
الله وحده أم من عند محمد أمن من عند الناس؟
إن التخصيص والإختيار هنا واضح من الله تعالی وما محمد إلا رسول
ومبلغ وما ينطق عن الهوی...فماذا تعنی هذه الخصوصية بالنسبة
لعلي...وهل يبقی بعد هذا شك في تميزه عن الأخرين من الله وإختياره وإختصاصه
بكثير من العطاءات الإلهية الخاصة...وإذا كان هذا وضعه ومكانته عند الله فهل نبخل
عليه نحن بالوصاية والولاية علی الأمة التي هو أهل لها بكل المقاييس وهو أحق
بها بكل العقليات والمنطقيات الإنسانية المجردة.
سابعاً:
ولقد كانت بيوت الصحابة محيطة بمسجد الرسول (ص) ومفتوحة عليه...ثم أمر الله
رسوله أن يأمر أصحابه أن يغلقوا أبواب بيوتهم المفتوحة علی المسجد عدا بيته
هو وباب بيت علي وفاطمة فقط...وعندما إعترض بعض الصحابة علی ذلك أخبرهم
الرسول بأن الله هو الذي أبقی باب علياً مفتوحاً وسد أبوابهم وليس هو...وهم
متشككون في الأمر...وهذا ما كان يؤذي النبي كثيراً كما ذكرنا...فعلی ما يدل
هذا التخصيص من الله تعالی؟ وما معنی
تلك الخصوصية له من الله؟ وهل تدل إلا علی
المكانة الكبيرة التي له والفضل العظيم والتقدير المبارك الذي خصه الله به...فهل
يبقی عجب بعد ذلك في أن يختاره الله لمنصب الوصاية والولاية علی الأمة
بعد وفاة نبيها ورسولها وحامل رسالتها العالمية الشاملة...بل إن من يتوقع أن يختار
الله لهذا المكان والمنصب غير علی فهو وأهم وغير منطقي ولا عقلي لأن كل
الدلائل كانت تدل علی أنه هو المرشح الأول والوحيد لهذا المنصب لما له من
فضل وسبق وكرامة وخصوصية عند الله.
ثامناً:
ومن ذا الذي إختص علياً بالذات دوناً عن أولاد أبي طالب الكثيرين بالرباية
في إحضان محمد...إنه الله بلا شك...والقدرة الإلهية هی التي جعلت علياً وليس
غيره هو من يذهب مع محمد ليتربی وينهل من نهله وليكون أول من أسلم وأول من
دافع وحمی وعاهد وأول من تعلم الإسلام علی يد النبي (ص)...فأي دليل
وأي خصوصية أكبر من هذا من الله رب العالمين ليفهم الناس ويقبلوا طائعين مقتنعين
بأحقيته بالولاية والوصاية علی الأقل طالما كانت له تلك الخصوصية الكبيرة
والفضل العظيم من الله ومنذ نعومة أظافره...أفنعرض
عن إختيار الله ولا نكرم من كرمه الله ورفعه الله وإختصه الله في ألف موقف وموقف
ونستبدل به من أَمَ الناس في الصلاة أو مشی مع نبيهم في فلاة...إنه لقصور
عقلي ، وسفه فكري ، وغياب ذهني ، وظلم للنفس أولا ً ولعلي (ع) ثانياً.
تاسعاً: ثم
من هو الذي إختصه الله بشرف تغسيل جثمان نبيه وخاتم رسلة وسيد الخلائق أجمعين بعد
وفاته ثم إعداده للصلاة عليه ثم دفنه بيديه...إنه علي بن أبي طالب. لقد إختاره الله دون غيره لأداء هذه المهمة
العظيمة والجليلة...فأي خصوصية وإصطفاء وتشريف أكثر من هذا...ولو كان هناك من
يستحق هذا الشرف والتكريم أكثر من علي لأعطاه الله ذلك ولكنه نظر فلم يری
أحق من علي أمير المؤمنين بهذه التشريف والتكريم والإختصاص فأعطاه له دون الناس في
الوقت الذي إنشغل فيه الأخرون بالتصارع علی الخلافة التي تصوروها ملكاً
وشرفاً ولم يروها مسؤلية وتكليفاً...ونسوا أو تناسوا بيعتهم لعلي يوم الغدير
وإختيار الله له لهذا المنصب والمكان...وضربوا بكل هذا عرض الحائط سعياً وراء ملك
زائل وحطام فاني وشرف وفخر واهي...فأعطی الله لعلي الفضل والشرف الحقيقي في
تجهيز نبيه وإختصه بذلك وترك لغيره السعي وراء الدنيا وفخرها الزائف وملكها الزائل وفتاتها
الفاني...فعلی ما يدل هذا العطاء والإصطفاء لعلي من الله دون الناس أليس
خصوصية إلهية له تضاف إلی قائمة خصوصياته من الله التي لا نهاية لها؟
عاشراً:
ومن ذا الذي إختص عليُ بالبيات في فراش نبيه يوم الهجرة وكانت أول عملية
فدائية في تاريخ الإسلام حتی قبل أن يشرع القتال؟ إنه الله تعالی وحده!
أحد عشر: من ذا الذي إختص علياً بفتح حصون خيبر التي
إستعصت علی الفرسان والقواد دوناً عن الأخرين رغم مرض عينيه؟ إنه الله تعالی وحده!
ثاني
عشر: ومن ذا الذي إختص
علياً بالخروج لملقاة عمرو بن عبد وود يوم الخندق؟ ومبارزته وقتاله ثم قتله في الوقت الذي جبن
الأخرين عن ذلك فثبطهم الله واصطفی علياً لهذا القتال الحاسم ووقتها قال
الرسول (ص) "لقد خرج الإيمان كله (ممثلاً في عليٌ) إلی الكفر كله
(ممثلا ً في عمرو بن عبد وود)؟" إنه
الله تعالی وحده!
ثالث
عشر: ومن ذا الذي إختص علي
بتلاوة سورة البرءاة علی الناس دون أمير الحج وقتها؟ إنه الله تعالی وحده!
رابع
عشر: ومن ذا الذي إختص
علياً بحرب الخوارج وقتالهم دوناً عن الحكام الذين أتوا بعد الرسول (ص)؟ وهؤلاء الخوارج الذين كانوا ولا زالوا من أشد
الأخطار علی الدين ولذا كان قتالهم تكريماً وإصطفاء من الله لعلي لم يختص به
أحد قبله! فهؤلاء الخوارج هم منافقون
ولكنهم من طراز خطر وخبيث لم يظهر في زمن الرسول (ص) ولكنه تنبأ بظهوره وبشر علي
بأنه سيكون من يختصه الله ويصطفيه لحربهم وكشف أمرهم وأعطاه البينة علی ذلك
في قصة "ذي الثدية" المعروفة في كل كتب التاريخ الإسلامي والسنة والحديث
والمنافقون العاديون كانوا علی زمن الرسول (ص) في المدينة لهم صفات واضحة
فهم متخلفون عن المعارك مثبطون يطلقون الإشاعات مشككون يتكلمون علی النبي
صراحة من وراء ظهره ولكنهم جبناء أمامه وإذا قاموا للصلاة قاموا كسالی
ويتلكعون في إخراج زكاة أموالهم وينتهزون أول فرصة للتحالف مع أعداء الإسلام
والنكوث علی أعقابهم.
أما الخوارج فنفاقهم من نوع أخر ماكر خبيث...إنهم يقرءون
القرءان لا يجاوز حناجرهم ولكنهم يحسنون تلاوته وربما البكاء منه...وإنهم يحسنون
العبادة والصلاة تماماً حتی أنك تستقل وتستحقر عبادتك أمام عبادتهم...وهم
يتشددون في الدين في الصغائر والفروع ولكنهم يفرطون في الهام والكبير
والأصل...ولهم مبالغة في القول والمنطق والإنفعال وفيهم غلظة ظاهرها أنها في الدين
وباطنها نفاق موروث في القلب...قلوبهم غلف وعقولهم متحجرة يحافظون علی
مواقيت الصلاة بالثانية ويخرجون الزكاة بالدرهم ولكنهم لا يتوانون عن قتل المسلمين
لأتفه سبب ولا يتحرجون عن السرقة والربا وتحليل الحرام وتحريم الحلال ويُفاخرون
بأنهم حُماة الدين والمدافعون عنه وأولياءه والله يشهد إنهم منافقون من قمة الرأس
لأخمس القدمين ولكن نفاقهم خطر لأنه خداع...خطرهم داهم لأنهم يلبسون الباطل بالحق
بمبالغة يظن معها أنهم علی الحق فالمنافقون الأوائل مرق سهمهم من خارج الدين
وأما هؤلاء المنافقون الخوارج فقد مرق سهمهم من خلال الدين ولذا سُموا بالمارقين
ولقد خدعوا ولا يزالوا يخدعون ألوف المسلمين كل يوم ويبثون السم القائل الذي يصيب
الأمة بالشلل...ويرمي بدينها الحقيقي في قبر مظلم سحيق تحت الأرض...وينحت لها
ديناً وهمياً جديداً يشبه الحقيقي ولكنه مزيف حجری لا حياة فيه ولا فائدة
منه...وها هم حولنا حتی الأن يسممون حياتنا وأفكارنا ويحرموننا من ديننا
الحقيقي. هؤلاء الخوارج هم من يسمون الأن
بالإرهابييين المسلمين...وهم من يعاني العالم كله من خطرهم السرطاني الداهم...وهم
من يتكتل العالم كله لمحاربتهم والتخلص منهم...وهذا ما إختار الله عليٌ له ليكون
أول من يقف امامهم ويحاربهم ثم يكونوا السبب في إستشهاده في محرابه.
فإين لنا بعلي أخر لنحاربهم معه ويخلصنا منهم؟ ولذا فهؤلاء الخوارج ومنذ ظهورهم وحتی
الأن مشهورون بعداءهم وكراهيتهم الشديدة لعلي وشيعته. فأحذر منهم أيها القارئ المفكر فإنهم كالوباء
والداء الذي يصيب العقول قبل أن يصيب الأبدان ويصيب القلوب قبل أن يصيب
الأجساد...كفانا الله وأياك شرهم في كل زمان ومكان وأرحنا الله منهم ومن
شرهم...ورحم الله أول من قاتلهم وكشفهم وفضحهم...وإنه لأصطفاء عظيم من الله له
وتكريم وخصوصية ختم حياته الشريفة الطاهرة بها لتكون بذا حياته كلها من مولده وحتی
مماته إصطفاء وتكريما وأختصاصاً وخصوصية له تماماً كما كانت حياة الأنبياء والرسل
من قبل وكما كانت حياة الأوصياء والأولياء من قبله...فأي شك يبقی بعد ذلك
لديك أيها القارئ من تفضيل الله له وإصطفائه له وإختصاصه من بين الناس بالتشريف
والتكريم والفضل...أفلا يستحق إذن أن نختصه ونصطفيه نحن بالولاية والوصاية
والخلافة التي إختاره الله لها ونصبه لها وأقامه وإختصه لها.
ومن
البنود السابقة كلها ١ إلی ١٤ نستطيع بعد التفكر والتدبر والتدقيق والتمحيص
وبإستخدام العقل المجرد والفكر السليم والمنطق الإنساني فقط...نستطيع أن نستخلص
ونستنتج الحقيقة التالية التي لا يرقی إليها شك ولا تحتمل الظن أو التخمين:
الإستنتاج
الرابع:
إن عليّ بن أبي طالب هو يقيناً بلا
شك وصيّ وخليفة رسول الله (ص) المنتظر والمتوقع وهو وليّ الله علی أمة محمد
(ص) من بعده...وهو المختار من الله تعالی لهذه المهمة وتلك الوظيفة وليس أحد
غيره علی الإطلاق...وهذه حقيقة ثابتة ومؤكدة مؤيدة بالأدلة العقلية
والمنطقية المجردة ولذا فمِن المستحيل عقلياً ومنطقياً وواقعياً إنكارها أو إثبات
عكسها أو القول بغيرها.
وهاكذا أيها القارئ المفكر الناضج الحُر
المُخلص...وبعد ما تقدم...وفي نهاية هذه القضية نستطيع أنا وأنت بعد الإفتناع
الكامل المبني علی العقل المجرد والتفكر والتفكير الخالص وبعد التجرد من كل
هوی أو تعصب...أن نشهد بعقولنا وإدراكاتنا وأذهاننا وقلوبنا...وبكامل قوانا
الفكرية والتفكرية وبجهودنا الذاتية ، وبدون فرض أو إلزام من أحد ، وبعد أن ثبت
لدينا بالبينة والحجة والبرهان العقلي والمنطقي وحده ، وبعد أن وضحت أمامنا
الحقيقة واضحة حلية...نستطيع أن نشهد ونحن مطمئنون ومرتاحون ومقتنعون بصدق ما
سنشهد عليه ونُقر وننطق ونعترف به...نستطيع أنا وأنت وكل مفكر حُر نزيه الحقيقة
وحدها ضالته المنشوة أن نشهد ونقول بأنه:
"لا إله إلا الله الخالق العظيم وحده لا
شريك له...وأن محمداً عبده ورسوله خاتم الأنبياء والرسل وصاحب الرسالة الخاتمة
النهائية العالمية الموجهة للبشر أجميعن في كل زمان ومكان والملزمة لهم...وأن عليّ
بن أبي طالب هو وصيّ محمد وخليفته في دينه وأمته
وهو وليّ الله من بعده المعيّن والمختار من الله لهذا الدور ولذا فهو
وليّنا من بعد نبينا محمد ومنهجه نهجنا وأن طاعته من طاعة الله ورسوله واجبة علينا
في كل أمورنا."
ومبارك
لك أيها القارئ المفكر...فقد أكملت دينك الأن وأتممت علی نفسك نعمة
ربك...تماماً كما أرادها الله لك ، كاملة غير منقوصة ، وبذا أخرجت نفسك من زمرة
المنافقين والناكثين والقاسطين..وأجتزت أصعب إمتحان وإبتلاء بعد دخولك في الإسلام
دين الحق وأجتزت عقبة...ونجوت من الفتنة الكبری...التي يمحص الله بها كل
مسلم بعد إسلامه حتی يری إن كان يعبد الله حق عبادة ويطيعه طاعة مطلقة
أم أنه يطيعه طاعة محددة بأهوائه وميوله فإن وافق أمر الله هواه أطاع وإن تعارض
رفض وعصی ونكث وأبلس...وهذه كانت صفة الشيطان والعياذ بالله...فالشيطان ما
كان كافراً أو منكراً لوجود الله أو مشركاً أو ملحداً...بل علی العكس أنه
كان من أكثر المخلوقات عبادة لله تعالی...ولكن عبادته كانت محكومة بهواه
ورغباته فلما تعارضت عبادته وطاعته مع هذه الأهواء وتلك الرغبات نكث علی
عقبيه ورّد أمر الله وعصی ورسب في الإمتحان وسقط في الفتنة...فلعنه الله
وطرده من رحمته...لأن الله لا يقبل إلا الطاعة المطلقة والعبادة التامة والتسليم
الكامل ولذا فهو يبتلي ويفتتن ليعلم هذه النقطة بالذات...وها هو الله قد فتن أمة
الإسلام في عليّ وصيّ خاتم الأنبياء بأمر الله...ليعلم من يطيعه مطلقاً ممن يعبده
علی حرف وطاعته مقيدة محدودة بهوی نفسه وشهواتها...فسقطت معظم الأمة
ولا زالت حتی الأن في الفتنة...وأظهروا ضعف إيمانهم وإهتزاز يقينهم ووهن
تسليمهم...وأخرج الله أضغان وخبايا نفوسهم بفتنه علی الوصيّ والوليّ والخليفة
المعيّن من الله والمُعرض عنه من الناس ظلماً وعدواناً تماماً كما فُتن إبليس
بأدم...فظهر كبره وسوء نفسه وخسر كل شئ...وهاكذا الله عندما يفتن ليعلم حقيقة ما
في القلوب ويعلم الذين جاهدوا وأمنوا وأسلّموا وقبلوا وأطاعوا ويعلم
الصابرين...فهنيئاً لك أيها القارئ فقد إجتزت أصعب إمتحان وإختبار ونجوت من الفتنة
التي هوی فيها معظم المسلمون وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعاً وهم لا يدرون
بأنهم عصوا أبلسوا وأنهم لو إستقاموا علی الطريقة لأسقاهم ربهم ماءاً غدقاً
ولفازوا فوزاً عظيماً في الدنيا والأخرة ولكنها حكمة الله ولا تجدن أكثر الناس
بمؤمنين حقاً ولا تجدن أكثرهم شاكرن ولا يؤمن أكثرهم إلا وهم كافرون. هنيئاً لك
فأنت بشهادتك هذه دخلت في زمرة المؤمنين حقاً الذين حرم الله خلودهم في النار وجعل
رحمته ومغفرته لهم إن أذبنوا وأسأوا...وجنته
ورضوانه وقربه إن أحسنوا وأصلحوا واتقوا وعملوا الصالحات...وأنت الأن من المسلمين
الحقيقيين بعد أن إجتزت أصعب وأعسر إمتحان وصدقت ما عهدت الله عليه بإتباع الحق
إذا رأيته حقاً وتغليبه علی هواك وكبرك وميولك...فمرحباً بك في زمرة
المؤمنين الصادقين الذين رضی الله عنهم ورضوا عنه...وبقی لك أمرين
بسيطين سهل عليك إجتيازهما...بعد أن مررت بأصعب إختبار وإمتحان...لتصبح بعد ذلك علی
بدتية الطريق الصحيح الذي حدده الله لك وعلی الصراط المستقيم علی
بيّنة من ربك ومن دينك ومن نبيّك ومن وصيّك ومن وليّك...فلتقم الأن ولنواصل المسير
إلی القضية الرابعة المهمة...من هذه الحمم الملتهبة...........