القضية الرابعة:

 

الأوّصياء والأئمة الأحد عشر أوّلياء الله وحُجَحُ الله

 

المبحث الثالث: الأدلة المنطقية علی كون الأئمة الأحد عشر من أبناء وأحفاد علي بن أبي طالب هُم الأوصياء المنتظرين علی الرسالة الإسلامية الخاتمة من بعد الوصيّ الأول عليّ من أبي طالب والمُختارين والمُحددين من الله تعالی لهذا

 

 

السؤال المطروح:

 

١)  من هُم الأئمة الأحد عشرة من أبناء وأحفاد علي بن أبي طالب؟

٢)  وما هی الأدلة المنطقية علی كون الأئمة الأحد عشر من سلالة علي بن أبي طالب هُم فعلا ً الأوصياء المتوقعين

 علی الرسالة الخاتمة من بعد الوصيّ الأول وأنهم حقاً المختارين من الله لأداء هذا الدورالهام والحيوي للرسالة الخاتمة

 وأنهم هُم الذين يجب علينا إلتزامهم وإتباعهم والإهتداء بهديهم والإقتداء بإمامهم والأخذ عنهم؟

                  

           

البحث المنطقي للإجابة:     

 

١)  الأئمة الأحد عشر من أبناء علي بن أبي طالب هم:

الحسن بن علي المجتبی (٣ إلی ٥٠ هجرية) ، والحسن بن علي سيد الشهداء (٤ إلی ٦١ هجرية) ، وعلي بن الحسين السجاد (٣٧ إلی ٩٥ هجرية) ، ومحمد بن علي الباقر (٥٧ إلی ١١٦ هجرية) ، وجعفر بن محمد الصادق (٨٣ إلی ١٤٨ هجرية) ، وموسی بن جعفر الكاظم (١٢٨ إلی ١٨٣ هجرية) ، وعلي بن موسی الرضا (١٤٨ إلی ٢٠٣ هجرية) ، ومحمد بن علي التقي (١٩٥ إلی ٢٢٠ هجرية) ، وعلي بن محمد الهادي (٢١٢ إلی ٢٥٤ هجرية) ، والحسن بن علي العسكري (٢٣٢ إلی ٢٦٠ هجرية) ، ومحمد بن الحسن المهدي (٢٥٥ إلی ٣٢٨ هجرية)...غيبة الكبری...

 

وهُم أباء وأبناء متلاحقين علی التوالي كما تری أيها القارئ المفكر فتعّرف جيداً علی أسمائهم إستعداداً لما سيأتي في المبحث من نقاط ونقاش وبنود.

 

٢)  إن هؤلاء الأئمة الأحد عشرة هم الوحيدين علی وجه الأرض الذين توفرت فيهم كافة الصفات الواجبة المطلوبة والمتوقعة منطقياً وعقلياً في الأوصياء المنتظرين علی الرسالة من بعد الوصي الأول...وهم الذين إستوفوا كافة الشروط المنطقية المطلوبة كما أوضحناها في المبحث السابق بتمامها وكمالها وذلك كما يلي:

 

أولا ً:  صفة وشرط الإيمان الكامل التام المخلص النقي بالرسالة وخالقها ومنزلها والنبي والوصي...فهذا متوفر لهم تماماً واحداً تلو الأخر وقد شهد لهم كل معاصروهم علی إختلاف فتراتهم ولم تكن هذه النقطة أبداً موضع شك أو تشكيك لا من أعدائهم ولا من منكريهم...ولذا فلا حاجة للخوض فيها والإستفاضة طالما لم يوجد فيها شك فهی مسلمة تاريخية إذن...وكيف لا يتمتع بالإيمان الكامل المخلص أبناء وأحفاد بيت النبوة والوصاية وهم الذي تربوا في حجور أبائهم الأنبياء والأوصياء واحداً تلو الأخر ومن سيستوفي هذا الشرط إذن إن لم يستوفوه هم بتمامه وكماله فهذه إذن عقلية منطقية حتی بدون أدلة تاريخية أو شهادة شهود أو وصف مؤرخين...وللقارئ الكريم أن يطالع السيرة الذاتية لهؤلاء الأئمة من كتب التاريخ والسير بخط الأعداء والظالمين قبل المنصفين ليری ويتعرف بنفسه كيف كان هؤلاء إيماناً كاملا ً وإسلاما ً كاملا ً ورسالة خاتمة ً كاملة ً وقرءاناً علی الأرض.

 

وثانياً:  صفة وشرط الإلتزام الكامل بالرسالة وأحكامها بعد الإيمان بها...فهذا يلحق ما ذكرناه أولا ً تماماً...ولم يكن هناك شك أصلا ً من الأعداء والمعاندين في التزام هؤلاء الأئمة بالرسالة وأحكامها...بل علی العكس تماماً فهذا الإلتزام التام المطلق بالرسالة وأحكامها وقواعدها والرغبة في تطبيقها بحذافيرها هو ما جلب عليهم عداء الأعداء وهجمة المنحرفين الفاسدين وظلم وإستبداد الحكام الظالمين المنافقين...وهل لو لم يكن لديهم هذا الإلتزام كانوا وجهوا بعداء من المنحرفين والفاسدين والمضللين؟  إنهم لو كانوا كذلك لرحب بهم إذن هؤلاء المنحرفين والمفسدين ولاحتضنوهم ووقروهم كما فعلوا مع غيرهم ممن قبل بعدم الإلتزام بأحكام الرسالة وقواعدها ومضمونها وأهدافها وخرج عليها وطوعها لا هواءه وأهواءهم...فتوفر هذه الصفة فيهم هی منطقية إذن من كثرة أعدائهم وإضطهاد وكراهية المنحرفين والمفسدين والحكام لهم...وهل هناك شكٌ في إلتزام من تربی في الحجور الطاهرة للنبي والأوصياء على الرسالة وأحكامها خاصة إذا كان مؤمن بها أشد الإيمان وأتمة وإطلاقه...فمن إذن سيلتزم بالرسالة وأحكامها إن لم يلتزم هؤلاء ويكونوا القدوة ومضرب الأمثال...ومرة ثانية نقول لك أيها القارئ المفكر لتطالع بنفسك السيرة الذاتية لهؤلاء الأئمة من كتب التاريخ والسير والعدل والتجريح المكتوبة بأيدي أعدائهم وحسادهم ومنكريهم لتری بنفسك وتحكم كيف كان هؤلاء الأئمة جميعاً تطبيقاً للرسالة وأحكامها وإلتزاماً بقواعدها يمشي علی الأرض مجسداً سواء علی أنفسهم أو أهليهم ومن يعولون أو محبيهم والمقتدين بنهجهم والمؤمنين بإمامتهم ووصايتهم.

 

وثالثاً:  وأما صفة وشرط تمتعهم بالأخلاقيات الفاضلة الكريمة النبيلة السامية وإتصافهم بمكارم وحسن الخلق...فحدث أيها القارئ الباحث ولا حرج...ولو تخيل الفلاسفة يوماً المدينة الفاضلة وأخلاق أهلها لما خطر علی بالهم واحد علی ألف من أخلاق هؤلاء الأئمة التي شهد لهم بها معاصروهم ومن أتی وراءهم من أعدائهم ومحبيهم علی السواء حتی راحت مضرب الأمثال وكأنها معجزات لا مثيل لها نظراً لتشابهها مع خُلق الأنبياء والرسل الذي يندر وجوده بين البشر...حتی إنهم نالوا بهذه الخلق الفاضل الكريم النادر إحترام وتقدير أعدائهم وظالميهم وسجانيهم ومعذبيهم وقاتليهم أنفسهم...ونالوا حب وولاء وإقتداء محبيهم وملتزميهم والمؤمنين بهم علی مر الأزمان والدهور...فالصدق والأمانة والكرم والشهامة...والوقار والمروءة والعطاء بلا حدود...والصبر والعزة والشرف والكرامة...والشجاعة والأقدام والرجولة...وطيبة القلب والتعفف وحسن القول وعدم الغيبة أو النميمة...والعفو والتواضع والبلاغة وحسن الذوق والسماحة...إلی أخر كل هذا الخُلق الفاضل والأخلاقيات الكريمة كانت لهم مثلما هی شرط وصفة لكل نبي ووصي وهل هناك شك في أن ربيب الحجور الطاهرة للنبي والوصي سيتمتع بهذه الأخلاقيات السامية النبيلة...التي هی خلق مربيهم...فمن ستكون لديه هذه الأخلاقيات الرفيعة إذن ويتمتع ويتصف بها...إن لم يتمتع بها هؤلاء الأوصياء والربائب وثالثة نقول لك أيها القارئ عليك بكتب التاريخ والسير الذاتية لتضطلع بنفسك ومن خلال كتابات وكتب أعداءهم وكارهيم أنفسهم قبل محبيهم ومواليهم علی هذه لأخلاقيات الرفيعة الكريمة التي هی مطمح وحلم الإنسانية علی مر الأجيال والأزمان ، حتی أنهم كانوا يوصفون أنهم ملائكة في ثياب بشر...وتراها أمامك مجسدة من خلال حياتهم وكأنها أخلاقيات رفيعة سامية كريمة تمشي علی الأرض.

 

ورابعاً:  وصفة وشرط العلم الكامل التام بالرسالة وأحكامها ومفاهيمها وركائزها ومحتواها وكيفية الإستنباط منها...فهو متوفر لهم منطقياً بحكم تربيتهم في بيت وحجر النبي والوصي الأول ومن ثم الأخذ عنهم بصفة مباشرة...ومن ثم العلم بينهم بالتوالي من المصدر تماماً كما ينقل سلك الكهرباء في بينك الطاقة الكهربائية لك من محطة بتبعد عنك مئات الأميال ولكن توالي وإستمرار السلك دون إنقطاع يضمن لك أن شدة التيار فيه متساوية في أوله مثلما هی في أخره...فإن لم يتمتع هؤلاء بالعلم الصادق الحقيقي بكل جزئيات الرسالة وخفياها قبل ظواهرها وهم ربائب بيت النبوة وبيت الوصاية واحداً تلو الأخر...فمن سيتمتع منطقياً بالعلم إذن...الصانع الحرفي اليدوي الماهر إن لم ينقل سر صنعته ومهارته تلك إلی إبنه وحفيده أساساً فمن سيأخذها إذن...إنها منطقية مشاهدة أمامنا دائماً...فالرياضي البارع هو في الغالب إبن رياضي بارع...والسياسي الحاذق هو تربی ونقل عن والدة نفس المهارة...والساحر والحاوي هو ينقل سر مهنته تلك عن أبيه وبالمثل الطبيب الحاذق والموسقي المبدع والعالم الباحث...فهل هناك شك إذن في منطقية إنتقال العلم بكاملة وتمامه من الأجداد إلی الأبناء وإلی الأحفاد.  هل هناك شك بعد هذا في توفر هذا الشرط وتلك الصفة فيهم وأنهم الأولی بها بتمامها عقلياً ومنطقياً وبديهياً أكثر من غيرهم ممن لم يتربی في بيت النبوة والرسالة والعلم وبيت الوصاية علی الرسالة والعلم.  ورابعة نقول لك أيها القارئ المفكر الباحث...نظرة واحدة منك علی كتب الفقه والتاريخ والسير والحديث والتفسير المكتوبة بأيدي أعدائهم ومحاربيهم وظالميهم قبل شيعتهم ومواليهم وستری بنفسك شهادة هؤلاء لهم بالعلم الكامل والمعرفة التامة بكل أجزاء وأحكام ودقائق وخفايا الرسالة...ورجوعهم إليهم وإستشهادهم بهم في كافة الأحكام والإستنتاجات والإستنباط والإحتهادات مما لن يدع بعدها أي مجال للشك لديك في تمتعهم بهذه الصفة تماماً وإستفائهم لهذا الشرط مطلقاً بما لم يتوفر لأحد غيرهم بهذا الكم وهذا العمق وهذه الغزارة وهذا الإلمام...وستری بنفسك بعدها أنهم كانوا جميعاً علماً بالرسالة متحركاً ومجسداً يمشي علی الأرض بين الناس لينهل منه الناس وكأنه نبع لا ينضب وشمسٌ لا تنظفئ.  ويكفي أن تعلم أيها القارئ أن كافة فروع العلم والفقه نشأت منهم أساساً ونبعت عنهم ثم حُرفت بفعل الأهواء بعد ذلك.

 

وخامساً:  وصفة وشرط كرم الأسرة والأصل والمنبت...فيكفی أنهم من أسرة النبي (ص) وهو جدهم الأعظم فأصله أصلهم وأسرته وسرتهم ومنبته منبتهم...ويكفي أنهم من أسرة الوصي (ص) وهو جدهم الأكبر وأصله أصلهم وأسرته أسرتهم ومنبته ومنبتهم...فهی إذن شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وهی إذن ذُرية بعضها من بعض كما كان نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط ويوسف وموسی وهارون وعيسی عليهم السلام...لذا فلا جدال هنا ولا حاجة لمنطقيات أو إثباتات أو مناقشات...ولك أن ترتاح قليلا ً هذه المرة أيها القارئ من المطالعة أو البحث في كتب التاريخ أو السير أو أعداء أو أحباء ، فهؤلاء الأئمة كانوا بلا شك كرماً أسرياً وأصالةً وكرم منبتٍ يمشي علی الأرض مجسداً.

 

وسادساً:  وأما صفة وشرط القدرات العقلية والذهنية الخاصة...فهذا توفر لهم جميعاً ومنذ صغر وحداثة أعمارهم حتی أن ذلك كان يعتبر من المعجزات والعطاءات الإلهية المشهود لهم بها...فلقد كان الواحد فيهم يجلس مجالس الفقه والإفتاء ويناظر ويجادل كبار العلماء وهو بعد لم يتجاوز العاشرة حتی أن بعض الفقهاء كانوا يأتونهم يسألونهم وهم بعد صبية وهؤلاء الفقهاء شيوخاً مبجلين ولكنهم مع هذا يقفون بين يديهم وكأنهم تلاميذ صغار في مدراس العلم الألهية...فهل كان هذا إلا دليلا ً علی وجود تلك القدرات العقلية والذهنية الخارقة والإلهية التي كانت تمكنهم من الحفظ والإستيعاب والتذكر والفهم والإستنتاج والإستنباط والمعرفة وهم بعد في سن الحداثة والطفولة والصبی...وهل هذا كثيراً أو مستغرباً علی ورثة النبي الأعظم (ص) ووصيه الأول (ع) وأحفادهم طبقاً لقوانين الوارثة علی الأقل...ومرة أخری تستطيع أيها القارئ المؤمن أن تبحث في كتب السير والتاريخ والجرح والتعديل والفقه والتفسير بأيدي أعداء هؤلاء الأئمة ومنكريهم أنفسهم لتعرف بنفسك علی تلك القدرات العقلية والذهنية الخاصة لهم والتي كانت حديث معاصريهم ومصدر تعجب وتندر أعدائهم قبل محبيهم ومتبعيهم...حتی أنهم كانوا معجزات عقلية وذهنية مجسدة تمشي علی الأرض.

 

وسابعاً:  وصفة وشرط الحكمة...فهل كان هناك أحكم منهم...والتاريخ يشهد لهم كيف تصدوا للحكام وسايسوهم ووعظوهم بمنتهی الحكمة...حتی يستطيعوا القيام بدورهم في الوصاية علی الرسالة علی أفضل صورة ممكنة...وكيف إستطاعوا رغم الحصار والقهر والسجن والمطاردة وبطش الحكام والتجسس وتحديد الإقامة والوشاية والتأليب والتعذيب إستطاعوا رغم كل هذا إجتذاب المؤيدين والمناصرين والمحبين ونقل وتوصيل الرسالة الحقة لهم وكشف تزييف المزيفين...فكيف تمكنوا من كل ذلك بدون الحكمة في التعامل مع مجريات الأحداث ومتقلبات الأمور...إن هذه منطقية يشهد بها التاريخ علی حكمتهم التي مكنتهم من كل هذا ، والأحداث وتعاملهم معهما كانت برهان ساطع علی منتهی الحكمة التي تمتعوا بها...وكيف لا يكون حكيماً من تربی في بيت النبوة والوصاية وتناقل الحكمة جيلا ً بعد جيل...فهل في هذا شك...ولو إستعرضت عزيزنا القارئ كتب التاريخ الإسلامي والسير الذاتية لهؤلاء الأئمة لإستطاعت أن تدرك كم الحكمة الذي تمتعوا به والواضح تماماً في تعاملهم مع الأحداث ومع السلطة الحاكمة ومع أعدائهم ومع أتباعهم ومع مدعي العلم من معاصري زمانهم...وستجد نفسك أيها القارئ المفكر الذي يستطيع أن يميز الحكمة جيداً من الرعونة والسفه ستجد نفسك وكأنك تری الحكمة بذاتها وقد تجسدت وهی تمشي علی الأرض في شخوص هؤلاء الأئمة جميعاً...ولا نريد هنا ضرب أمثلة بسيطة لحكمتهم ، فإن الأمثلة البسيطة لن تعطي فكرة واضحة عن حكمتهم...ولا نحن نستطيع هنا أن نستعرض كل أوجه الحكمة في حياتهم فإن ذلك يحتاج إلی كتب ومجلدات لا حصر ولا عدّ لها ولذلك نترك كل ذلك لمجهود القارئ الذاتي في البحث والإضطلاع ليعرف بنفسه من الأعداء قبل الأصدقاء عن حكمة الأئمة الأحد عشرة.

 

وثامناً:  وصفة وشرط الزهد وعدم الثراء...فهؤلاء الأئمة كانوا جميعاً مضرب الأمثال في الزهد وعدم الإنكباب علی ملذات الحياة الذي شاع بين الناس في هذا الزمن ولم يكن أحد منهم ثرياً أو يتمتع بالثراء الفاحش والأموال الطائلة التي تدفقت علی البلاد بفعل الفتوحات الكثيرة والتي أثرت المجتمع جداً في وقتها حتی أن عدد الأثرياء والأغنياء كانزى الأموال وملاك القصور والأراضي والضياع والجواري كان كبير جداً...ومع إن هؤلاء الأئمة كان لهم وضعاً مرموقاً ومحبوباً بين الناس بإعتبار أنهم البقية الباقية من عترة المصطفی محمد (ص) والوصي الأول علي (ع)...ولو أرادوا لأصبحوا أغنی أغنياء وأثری أثرياء مصرهم علی الإطلاق وهم ورثةُ بيت النبوة وأحفادُ أمير المؤمنين...ولكن هذا لم يحدث علی الإطلاق برغم أنه مخالف للمتوقع منطقياً لهم في هذه الفترة وسط هذا الغنی والثراء الذي عم المسلمين...والسبب هو زهدهم وتعففهم وإبتعادهم عن الترف والثراء المفسد القاتل وإنفاقهم لكل ما يأتي إليهم فوراً علی الأهل والفقراء والمساكين والمحتاجين والأرامل والأيتام وعابري السبيل كل ذلك طمعاً في إرضاء الله تعالی وتضحيه في سبيله بكل شئ...ولذا فقد كانت حياتهم بسيطة زاهدة عكس حياة التابعين ومدعي العلم الذين كثروا وإنتشروا وأتباع ومعاونين السلطة وممالئ النظام السياسي الحاكم...بل لقد كانت حياتهم أبسط وأزهد وأقل أموالا ً من حياة أقل جحف من أجحاف العرب أو شخص عادي من الأمصار في هذا الوقت...ولم لا وهم ربائب وسلالة دعاة الزهد ومحاربي الترف من الرسول الأكرم (ص) إلی الوصي الأول (ع)...فإن لم يتمتع هؤلاء منطقياً بهذه الصفة فمن إذن سيتمتع بها غيرهم...ومرة أخری نظرة في كتب السير الذاتية لهؤلاء الأئمة وسنجد أن حياتهم الزاهدة البسيطة وقلة أموالهم واضحة للعيان مقارنة بما كان عليه الحال في زمانهم لمعاصريهم...وسنجد أن عطاءهم المستمر وكثرة صدقاتهم بكل ما يملكون كانت مضرب الأمثال لكل زاهد ومتصوف وعابد وناسك علی مر الأزمان والدهور فهم كانوا بحق زهداً مجسداً وعطاءاً مجسداً يمشي علی الأرض بين الناس.

 

وتاسعاً:  وأما صفة الشباب وصغر السن...فهم جميعاً تولوا منصب الإمامة وقاموا بدور الوصاية وهم بعد في حداثة الشباب بعضهم حتی يعد من الصبية سنا أو حتی من الطفولة وإليك بيانا بسيطاً أيها القارئ عن أعمارهم وقت أن تولوا الوصاية علی الرسالة والإمامة:

 

الإمام الحسن ٣٧ عاماً ، الإمام الحسين ٤٥ عاماً ، الإمام زين العابدين ٢٥ عاماً ، الإمام الباقر ٣٨ عاماً ، الإمام الصادق ٣٣ عاماً ، الإمام الكاظم ٢٠ عاماً ، الإمام الرضا ٣٥ عاماً ، الإمام التقي ٨ أعوام ، الإمام الهادي ٨ أعوام ، الإمام العسكري ٢٢ عاماً ، الإمام المهدي ٥ أعوام.

 

فهل بعد ذلك نحتاج إلی شرح هل كانوا مستوفين لشرط الشباب وصغر السن أم لا؟  إن الأرقام تتحدث عن نفسها إذن ولا مكان بعد ذلك لقول أو عبارة.

 

وعاشراً:  وأما صفة التوالي والتتابع دون فواصل زمنية...فهؤلاء الأئمة جميعاً كانوا أباء وأبناء في سلسلة واحدة متتابعة...وفي نفس اليوم الذي يموت فيه الوصي الأب يتولی الوصي الإبن الإمامة والوصاية ويبدء فوراً في مباشرة دوره في حماية وحضانة الرسالة والوصاية عليها ورعايتها حتی وإن كان بعد طفل صغير في الخامسة أو الثامنة...فالتوالي والتتابع دون فاصل زمني إذن كان موجوداً ومكفولا ً تماماً ولم تنقطع السلسلة ولا للحظة واحدة طوال مدة بقائها ووصياتها ولم يفتقد الناس طوال تلك السنوات الطوال وجود الإمام الوصي علی الإطلاق...فما أن يستشهد الإمام والوصي الأسبق حتی يحمل إبنه المُعيَن الراية في نفس الوقت ويكون علماً وإماماً وحجة من الله علی الناس.

 

وأحد عشر:  صفة وشرط القرب الكامل والتلاصق التام مع الوصي الأسبق...فهذا يلحق عاشراً...فهؤلاء جميعاً كانوا أباءً وأبناءً في أسرة واحدة متكاملة مترابطة ولذا فالوصي اللاحق الجديد ينشأ في حجر أبيه بكل القرب والتلاصق فيأخذ العلم منه وتنتقل المعلومات إليه بطريقة مباشرة مستمرة نقية...وبذا يصدق ما نكون قد توقعناه منطقياً من حتمية أن يكون هؤلاء الأوصياء جميعاً سلسلة أسرية واحدة متتابعة من أباء وأبناء...وما ضل ولا خاب أبداً من أتبع العقل والمنطق السليم في فهم وتتبع وتوقع الأشياء والحمد لله الذي حبانا بهذه النعمة الإلهية العظيمة والتي ميزها بها عن سائر خلقه ومخلوقاته.

 

وإثنی عشر:  وأما صفة وشرط وجود القدرات الذاتية الخاصة التي توافق الدور المكلف به والفتن التي سيواجهها...فالمتتبع والدارس لحياة وسيرة هؤلاء الأئمة سيجد تطابقاً غريباً وعجيباً بل وإعجازياً بين طبيعتهم وقدراتهم وبين أدوارهم...فالمكلف منهم بمهادنة السلطة الحاكمة لحكمة إلهية عليا نجده يؤدي ذلك بقدرة وحنكة سياسية وصبر لا مثيل له...والمكلف بمواجهة الحاكم والخروج عليه وتعريض نفسه للقتل نجده يؤدي ذلك بمنتهی التضحية والشجاعة والإقدام والثورية لا نظير لها...والمكلف بمواجهة المادية المفرطة نجده يؤدي ذلك بكل الزهد والعبادة والروحانية المطلقة...والمكلف بحمل أمانة البحث والعلم نجده يؤدي ذلك بكل الإخلاص والكد والجد والذكاء والمهارة والإتقان...والمكلف بنشر العلم وتعليم الفقه نجده يؤدي ذلك بكل المباشرة والصبر والعطاء والذكاء والحكمة والفطنة ومهارة التواصل والتعليم...والمكلف بتحدي جبروت وبطش السلطة المستبدة الظالمة نجده يؤدي ذلك بكل الصبر والتحمل وكظم الغيظ والتضحية وهاكذا لو إستعرضنا حياتهم وأدوارهم جميعاً لوجدنا دائماً هذه القدرات الذاتية الخاصة التي هی عطاءاً وهبة من الله لهم لتمكنهم من التكيف مع أدوارهم وأدائها علی أتم وأكمل وجه...فهم إذن مستوفون لهذا الشرط تماماً وهو متوفر فيهم بكماله وإطلاقه.

 

وثالثة عشر:  وأما صفة وشرط الإختيار المباشر من الله لهم وإعلان ذلك صراحة وبوضوح عن طريق النبي الخاتم (ص)...فلقد إستوفوا هذه الصفة وهذا الشرط في عدة مرات علی لسان النبي وليس في مرة واحدة...فها هو رسول الله (ص) في الحديث الشريف عن جابر بن عبد الله الأنصاري يحددهم بعددهم وأسمائهم وصفتهم وكنيتهم واحداً تلو أخر وينص بوضوح علی أن هؤلاء هم الأوصياء والأئمة والأولياء المحددين المختارين من الله ويطالب الأمة بالتقيد بولايتهم وإتباعهم وحبهم والإقتداء بهديهم ويحذر من الخروج عليهم ويتوعد من يعاديهم بغضب الله وعذابه وإنتقامه...والحديث بل لنقل والأحاديث موجودة بكاملها في كتب المنصفين المحقين الذي أثروا الحق علی الضلالة وأثروا الأخرة علی الدنيا...وهی أيضاً موجودة ولكنها مبتورة محرفة محذوف منها في كتب أعداء الله والدين والرسالة الذي حرفوا وشوهوا وزيفوا إيثاراً للدنيا علی الأخرة وإيثاراً لإرضاء الحكام والمضللين علی حساب الملة والدين ، وإيثاراً للعمی والضلال علی الهدی والنور...فهم ينقلون الحديث مبتوراً محذوفاً فيقولون قال رسول الله (ص) "الأئمة من بعدي أثنی عشرة بعدد نقباء بني إسرائيل ، كلهم من قريش"  فقط ويقفون عند هذا الحد ولا يكملون بقية المتن الذي حدد الرسول (ص) فيه أسماء وصفات وكنية هؤلاء الأئمة والأوصياء جميعاً...ويحذفون ويتغاضون عن بقية الحديث لأنه لا يخدم مصالحهم وسيعرضهم لبطش ونقمة وغضبة الحكام الغاصبين الظالمين المستبدين والمنطق والعقل المجرد يشهد وينطق علی كذبهم وتحريفهم...إذ كيف يقبل العقل أن يقف النبي (ص) وهو خاتم الأنبياء والمرسلين ليقول نبوة مبتورة بهذا الشكل فالنبؤة حتی تكون فعلا ً نبؤة وتستحق هذا الإسم لا بد وأن تستكمل أركانها وتستوفي تمامها ولا يبقی بعدها تساؤل ولا شبهة فهی تقدم معلومة كاملة متكاملة ستحدث في الغيب وليس نصف أو ربع معلومة...فلو قدمت لك نبؤة تقول بأن الرؤساء الأمريكيون من بعد جورج وشنطن عددهم مائة كلهم من الجنس الأنجلو ساكسونى فهل هذه تعتبر نبؤة ذات قيمة إن أتت من أحد العرافين الدجالين...فكيف بها وستأتي مبتورة بهذا الشكل علی يد النبي الخاتم (ص)...وهل يقدم النبي النبوة إثباتاً لكونه نبي...أم إرضائياً لفضول الناس وحباً لإثارتهم...أم تحقيقاً لهدف أسمی وغاية كبری حكيمة بأمر رب العالمين...لا شك أن العقل والمنطق يقول بالأخيرة فالنبوة من النبي لها هدف سام وقيم في حياة الناس...فما هو إذن الهدف الأسمی الذي سيتحقق إذا علم الناس أن الأئمة إثنی عشر كلهم من قريش وفقط...ماذا سيستفيدون من ذلك وبما سيعود عليهم...ألا نفكر قليلا ً...إن هذا لا يجوز...وإن لم تتم المعلومة والنبؤة ويذكر النبي أسماء هؤلاء الأئمة والأوصياء جميعاً ويحض علی أتباعهم فيتم بذلك الهدف ويتضح ويظهر المراد من النبؤة ويكتمل لا يكون بذلك قد حقق شيئاً...فالمنطق إذن والعقل لا يقبل بحديثهم المبتور هذا ووجب علينا أن نقول لهم أيها المضللون لقد أظهر الله كذبكم وزيفكم بما أعطانا من عقول وألباب وأذهان تميز بالمنطق والفكر بين الحق والباطل وبين الحقيقة والتزييف والضلال...وتتمة الحديث موجودة في كتب العلماء الشرفاء الذين أخلصوا في البحث والعلم والدراسة ولم يتوانوا عن إظهار الحق والحقيقة الكاملة...والأحاديث لرسول (ص) كثيرة جداً في هؤلاء الأئمة بدءاً من علي بن أبي طالب وحتی محمد بن الحسن المهدي الذي قال فيه الرسول (ص) أنه سيملاء الأرض قسطاً وعدلا ً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً...وهذه الأحاديث موجودة في كل كتب المسلمين...ولكنها كما قلنا محرفة مشوهة في كتب المزورين ولكنها علی الأقل مذكورة ولم يمكنهم إنكارها من أساسها...ولو أنك سألت هؤلاء الأدعياء المزيفين المزورين أن يعددوا لك من هم هؤلاء الأئمة الأثنی عشر الذين ذكروهم والذين أتوا من بعد النبي (ص) لما إستطاعوا أن يعددوا لك أحداً ولداخوا وتخبطوا وتحيروا وتهربوا وظهر بذا زيفهم وكذبهم ووتزويرهم ونفاقهم وتعمدهم إخفاء الحقيقة وتضليل الأمة حتی بعد كل تلك السنوات والقرون.  فشرط الإختيار المباشر من الله قد تحقق إذن بتمامه وكماله في هذه الأحاديث النبوية الكثيرة التي تنص عليهم وتحددهم وتحدد وصفهم وأسماءهم وكنيتهم وحتی أزمانهم وطريقة إستشهادهم وأماكم دفنهم...وها هو النبي (ص) قد أبلغ عن الله كما توقعنا إختيار الخالق العظيم لهؤلاء الأئمة بذاته دون دخل من بشر وأبلغهم أمره الإلهي باتباعهم وطاعتهم وموالتهم والتقيد بنهجهم...وقال ذلك للناس علانية وأبلغهم به بكل صراحة ووضوح تماماً كما فعل يوم الغدير حينما أبلغ عن إختيار الله لعلي بن أبي طالب للوصاية علی الرسالة والأمة والدين من بعده (ص)...وبشر النبي (ص) كل من يطيعهم ويواليهم بأمر من الله بالرضوان والقبول من الخالق العظيم والجنة وأنذر أعدائهم ومكذبيهم بالعذاب الشديد والرفض والنبذ والمقت من الله الواحد القهار...وبذا يكون هذا الشرط وتلك الصفة قد تمت لهم وإكتملت والحمد لله رب العالمين ولم يبقی لأحد من البشر حجة بعد ذلك...وما عليك أيها القارئ العزيز إلا أن تتبع كتب الأحاديث من المكذبين والكارهين والحاقدين ومن المنصفين المتقين والمتجردين وتقارن بين متون تلك الأحاديث الواردة كلها في وصف الأئمة والأوصياء من بعد النبي في هذه الكتب ونحن متأكدون من أن عقلك السليم سيكشف لك تماماً حقيقة الزيغ والتزييف وإخفاء الحقيقة الذي مارسه بعض أدعياء العلم من الأولين والأخرين وأضلوا بهذا الأمة عن دينها وعن أوليائها وأئمتها الحقيقيين...لا سامحهم الله ولا غفر لهم ولعنهم لعناً كبيراً.

 

ثم لقد أخبر وأكد وأنبأ كل وصي من هؤلاء الأوصياء عن الوصي الذي سيليه كما أمر الله وإختار وكما أنبأ وأخبر رسول الله فعلي يعلن وينبأ عن أن الحسن هو الوصي من بعده والحسن يعلن عن الحسين والحسين يعلن عن زين العابدين وهاكذا كلٌ يعلن ويخبر عن الذي يليه...وقد يكون للإمام والوصي عدة أبناء ولكن واحد منهم فقط هو المختار من الله للوصاية والإمامة وهو الذي أبلغ عنه رسول الله (ص) ويبلغ عنه ويؤكده مرة أخری ويعلنه والوصي الحاضر قبل وفاته ويعينه للجميع من بين أبنائه ومن هنا نقول مرة أخری بضرورة الإيمان بهؤلاء الأوصياء ككل لا يتجزء فلا معنی بأن تؤمن بالحسين ثم لا نقول بإمامة السجاد أو تؤمن بالصادق ولكن تنكر إمامة الكاظم لأن كل منهم هو الذي أنبأ وأخبر عمن سيليه فعدم الإيمان بمن سيليه هو بالتالي تكذيب له وعدم إيمان به هو نفسه وهو بنفس الوقت تكذيب لرسول الله (ص) الذي أخبر عنهم جميعاً ولوصيه الأول علي بن أبي طالب الذي أخبر عنهم جميعاً...ومن هنا يتضح أن الإيمان بهؤلاء الأوصياء هو وحدة لا تقبل التقسيم أو التفريق تماماً كما كان الحال مع الأنبياء والمرسلين فإما الإيمان بهم جميعاً وإما إنكارهم جميعاً ولا وسط...وغير ذلك هو غير منطقي وغير عقلي وبالتالي غير جائز وغير محتمل وغير مقبول.

 

ورابع عشر:  وصفة وشرط الإختلاف عليهم بين الناس والمواجهة بالعداء وإنقسام الأمة عليهم إلی ثلاث طوائف...فئة قليلة مؤمنة متبعة وفئة كبيرة معادية منكرة معاندة وفئة ثالثة جاهلة لا تدري عن الأمر شيئاً معماً عليها ومشكل عليها...فالتاريخ يشهد بأن هذا تماماً ما حدث...فلقد إنقسمت الأمة معهم إلی ثلاث فئات فئة قليلة أمنت بهم وصدقتهم وإتبعتهم وسارت علی نهجهم وسموا بالإمامية الإثنی عشرية ، وفئة كبير وأكثرية أنكرت وكذبت ونأت عنهم وإتبعت غيرهم وتفرقت بهم السبل وساروا وراء حكامهم "وأضل فرعون قومه وما هدی"...وفئة ثالثة غالبية كبيرة من السواد وسكان البلاد المفتوحة والمترامية لم تدري عنهم شيئاً واضحاً ولكنها عرفتهم بإبهام وغموض ومع هذا أحبتهم ورفعتهم ولكنها لم تتبعهم ولم تواليهم ولم تسير علی نهجهم ولكنها سارت علی نهج وسبل أعدائهم ومنكريهم وبالتالي تفرقت بهم السبل أيضاً وضلوا السبيل لأنهم عُمي عليهم وزيف عليهم ولم يستخدموا عقولهم لتمييز الحق من الباطل والزيف من الحقيقة ولكنهم إستسلموا لما قدم إليهم وأسلموا أنفسهم له دون تفكير أو وعي...وبذا يكون هذا الشرط المنطقي والصفة المتوقعة قد توفرت لهؤلاء الأئمة بتمامها وكمالها...ويكون التفكر المنطقي وافق الحقيقة الواقعة تماماً...وبهذا تهدأ النفس ويطمئن البال بأننا والحمد لله علی الطريق الصحيح والنهج السليم والصراط المستقيم.

 

وخامس عشر:  وصفة وشرط أن يكونوا مقهورين مبتزين معزولين معذبين مسجونين ومقتولين بمؤامرات من السلطة الإستبدادية الحاكمة...فالتاريخ أيضاً يشهد وينطق بل ويصرح ويئن بأن هذا تماماً هو ما حدث ووقع لهم...فقد ناصبتهم السلطة الظالمة المنافقة العداء وخافت منهم كما يخاف الباطل دائماً من الحق لأنه يكشفه ويفضحه ، وخافت من تأثيرهم علی الناس ومحبة الناس لهم ، وخافت من دور الوصاية الذي يقومون به علی الرسالة الخاتمة لأنه يقيد حركتهم وشهواتهم وأهواءهم...ولذا ونتيجة لكل هذا الخوف فقد أجمعت كافة السلطات السياسية المتعاقبة برغم إختلافها مع بعضها البعض وتناحرها وتقاتلها علی السلطة مع بعضها البعض...إلا أنها أجمعت جميعاً علی عدائهم وإضطهادهم وملاحقتهم والكيد لهم وتدبير المؤمرات للتخلص منهم ثم قتلهم في النهاية بأخس طريقة ونظراً لأن لهؤلاء الأمة أتباع ومؤمنين بهم ولهم محبين ومقدرين في كل بقاع الدولة الإسلامية الناشئة فلم تقدر السلطة الظالمة علی قتلهم علناً كما كانت تفعل مع غيرهم خاصة بعد أن رأت ما حدث بعد مقتل الحسين (ع) في كربلاء...لذا فقد جبنت تلك السلطة المستبدة الجائرة عن الأقدام علی ذلك برغم كراهيتها الشديدة لهؤلاء الأئمة...ولكنها لجاءت بدلا ً عنه إلی القتل الخفي عن طريق وضع السم في الطعام للأئمة لقتلهم من خلال العملاء أو السجانين...وبذا يبدو الموت وكأنه طبيعي فلا يثير فتنة أو حقد أو غضب الناس...بل وقد يذهب الحاكم أو الخليفة بنفسه ليقدم العزاء في الإمام ويترحم عليه ويثني وهو في الحقيقة قاتله وحارم الأمة من فضائله...وهذا هو ما أدی إلی تعدد الأئمة والوصاة...فكلما قتلوا وصياً أرسل الله وصياً أخر تماماً كما كان يفعل بني إسرائيل مع أنبيائهم يقتلونهم فيرسل الله غيرهم ولذا كثر وتعدد الأنبياء فيهم. "يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم...ويأبی الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون."

         

ولو قرأت كتب التاريخ الإسلامي والسير الذاتية لهؤلاء الأئمة أيها القارئ المفكر لبكيت عيناك دماً علی ما لاقاه هؤلاء الأئمة جميعاً من عنت وتعذيب وحصار وقهر وظلم وسجن وقتل علی مر السنين علی يد الخلفاء والحكام الذين توارثوا الخلافة واحداً بعد أخر وحكموا البلاد كلها بالحديد والنار...وللعنت اليوم الذي فرط المسلمون فيه في وصيهم الأول وبدءوا هذه السلسلة المتعفنة التي كانت تزداد عفناً وفساداً وبعداً عن الدين يوماً بعد يوم وحاكماً بعد حاكم حتی إستسلمت في النهاية تماماً لشهواتها المطلقة وأهوائها المجردة وخرجت عن الدين كلية...ولكن بمساعدة أدعياء العلم والمتفقهين الكاذبين والأئمة المزيفين الذين إصطنعوهم ورفعوهم إستطاعوا أن يوهموا الناس أنهم خلفاء رسول الله وأمراء المؤمنين وهم في الحقيقة لا ينتمون بصلة من قريب أو بعيد لا لرسول الله (ص) ولا للإيمان أو المؤمنين ويكفی أن نقول أن كافة الأئمة الأحد عشرة قُتلوا جميعاً وإستشهدوا علی يد السلطة الحاكمة بإستثناء أخرهم محمد بن الحسن المهدي الذي تدخلت يد العناية الإلهية لتنقذه من هذا المصير الذي لاقاه أباءه الأئمة المتعاقبين علی أيدي الظلمة القتلة...فهذا الإمام الحسن (ع) يقتله  الخليفة معاوية بن أبي سفيان ، وهذا الإمام الحسين (ع) يقتله يزيد بن معاوية ، وهذا الإمام السجاد (ع) يقتله الخليفة الوليد بن عبد الملك ، وهذا الإمام الباقر (ع) يقتله الخليفة هشام بن عبد الملك ، وهذا الإمام الصادق (ع) يقتله الخليفة المنصور العباسي ، وهذا الإمام الكاظم (ع) يقتله الخليفة هارون الرشيد ، وهذا الإمام الرضا (ع) يقتله الخليفة المأمون ، وهذا الإمام التقي (ع) يقتله الخليفة المعتصم ، وهذا الإمام الهادي (ع) يقتله الخليفة المعتز ، وهذا الإمام العسكري (ع) يقتله الخليفة المعتمد العباسي...فماذا تقول بعد هذا أيها القارئ المفكر...وأمايستوفي هؤلاء الأئمة هذا الشرط بعد...وهل هناك أدنی شك في أن هذه الصفة المتوقعة كانت فيهم تماماً واقع حياتهم كلها.

 

٣)  وعدم توافر كل هذه الصفات والشروط مجتمعة في غيرهم علی الإطلاق هو في حد ذاته دليل منطقي علی كون هؤلاء الأئمة الإحدی عشر من أبناء علي هم الأوصياء المنتظرين والمتوقعين علی الرسالة الخاتمة...ولو وجد أخرين مجتمع فيهم كل هذه الصفات والشروط بلا إستثناء لشاركوهم ولو منطقياً في الأحقية بالوصاية...ولكن لم يوجد ونتحدی أي شخص أن يقول لنا إسم شخص واحد علی الأقل إجتمعت له كل هذه الصفات المنطقية الواجب توفرها بالإستنتاج العقلي البحت في هؤلاء الأوصياء المرتقبين...ولن نجد أبداً وهذا في حد ذاته يقف دليلا ً شامخاً علی كونهم الأحق بهذه الوصاية كونهم فعلا ً استوفوا الموصفات والشروط ولم يستوفها غيرهم علی الإطلاق.

 

٤)  وإخبار النبي (ص) عنهم وعن أسماءهم وصفاتهم وما سيجري علی بعضهم وهو الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوی إن هو إلا وحي يُوحی في أكثر من مناسبة ولنرجع إلی كتب الأحاديث والسيرة الصحيحة والنزيهة والمتجردة وليست تلك التي دعمتها وتدعمها السلطة الجائرة الظالمة المعادية المشوِهة ، فسنجد لذلك ألف دليل ودليل لا يقبل الشك أو التفنيد...هذا في حد ذاته دليل علی أنهم هُم الأوصياء فعلا ً وحقاً...وطالما أمنا بما أتی به الرسول الخاتم وهذا مما أتی به وأخبر ونبأ عنه وجب علينا أن نؤمن أيضاً ونسلم به كما أمنا وسلمنا بغيرة وإلا نكون قد وقعنا في متناقض عقلي ومنطقي وأخذنا بعض الرسالة وتركنا البعض الأخر وهذا غير مقبول لدی الله ولا يجوز ويؤدي إلی الكفران بالرسالة كلها "أرئيت الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض".  وكما ذكرنا وأثبتنا سابقاً الرسالة الخاتمة كل لا يتجزء تؤخذ كلها أو ترفض كلها دون تفريق.

 

٥)  وبنفس الوقت عدم إخبار النبي عن أحد غيرهم علی الإطلاق هو دليل يؤيد صدق وصايتهم وولايتهم وإمامتهم...ومن ينكر إمامتهم ووصايتهم فليقل لنا إذن من هو الوصي أو الأوصياء الذين دل عليهم وذكرهم رسول الله أو حددهم بالإسم غيرهم حتی نبحث فيهم ونتبعهم إن كانوا حقاً...ولكن لن نجد ولن يستطيع أحد أن يحدد لنا إسماً واحداً حدده أو ذكره رسول الله (ص) في أي حديث أو شارة غيرهم لمنصب الوصاية علی الرسالة والإمامة علی الإطلاق مهما كان إستاذاً في الكذب والتلفيق وعالماً في التزييف والتزوير والتبديل والتغيير.

 

٦)  وإخبار هؤلاء الأوصياء عن بعضهم البعض وأنباء كل منهم عن الذي يليه هو دليل تسلسل وتوالي مترتب علی بعضه البعض منطقي تماماً بل وبديهي...فإذا كنا أكدنا وأثبتنا منطقياً وعقلياً صدق ولاية ووصاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأمنا بذلك وشهدنا عليه فإن علياً نفسه قد أبلغ وأخبر بوصاية وإمامة الحسن بن علي من بعده ، فإذا كنا أمنا به وبصدقه ووصايته وإمامته وجب علينا منطقياً أن نصدقه في هذا ونؤمن ونصدق بالتالي بوصاية وإمامة الحسن بن علي...ثم ها هو الحسن بن علي يبلغ ويخبر عن إمامة ووصاية الحسين بن علي ، فإذا كنا أمنا به وبواصيته وجب علينا إذن أن نصدقه في هذا ونؤمن بأن الحسين بن علي هو الوصي والولي الجديد من بعده وهاكذا تتم المتوالية المتسلسلة المنطقية المترتبة علی بعضها البعض...كل منها يستمد منطقيته مما سبقه...تماماً كما لو أن شخصاً صدوقاً مصدقاً أشار لك علی شخص أخر وقال لك إن هذا الشخص صدوقاً مصدقاً فلا بد منطقياً أن هذا الشخص الثاني هو كذلك فعلا ً طالما أن القائل هو صادقاً صدوقاً مصدقاً والحال نفسه لو أشار الشخص الثاني إلى أخر ثالث وقال أنه صادق صدوق مصدق فلا بد منطقياً أنه كذلك وهاكذا...فبما إن كل منهم أخبر عمن سيليه وبما أن أولهم وهو علي بن أبي طالب هو ولي ووصي صادق مصدق لذا فكل ما يليه هو أولياء أوصياء صادقون مصدقون يستمدون هذا من تصديق بعضهم البعض وإدلال بعضهم علی البعض وهذه منطقية واضحة يفهمها العقل ويقبلها الفكر السليم.

 

٧)  ثم إن أحد غيرهم لم يدعی إطلاقا ً الوصاية علی الرسالة والولاية علی الأمة بأمر وإختيار الله سواهم...فإذا كنا توصلنا إلی وأثبتنا حتمية إستمرارية الوصاية والولاية من بعد الوصي الأول علی الرسالة الخاتمة ومنطقية تعدد الأوصياء وتوقعنا حدوث ذلك وإنتظاره منطقياً...ثم وبعد البحث لم نجد أحد سوی هؤلاء يدعی ويقول أنه الوصي والولي المنتظر والمترقب والمتوقع والمحدد والمختار من الله...فطالما لم يدعی أحد غيرهم لنفسه تلك المكانة وهذه المهمة المقدسة فلا بد إذن منطقياً وعقلياً أنها لهم وأنهم أصحابها...ولنعيد هنا مثال الساعة المفقودة التي تجدها في الطريق ثم تعلن عنها وتقول لمن هذه فلم يدعي أحد أبداً ملكيتها إلا شخص واحد فقط ، فهل ستتردد في إعطائها له بناء علی الإستنتاج المنطقي بأن عدم وجود مدعي سواه يدل علی أنه هو صاحبها والأحق بها ولو كان هناك غيره أحق بها أو صاحبها لأظهر نفسه ودعواة وقال أنه الوصي المنتظر...ولكن لم يحدث ولم يظهر أبداً من يدعی أو يقول بهذا وبناء عليه فيجب الحكم منطقياً بأحقيتهم وصدق دعواتهم ولا بد إذن منطقياً من أن يكونوا هم.

 

٨)  ولو راجعنا القضية الثالثة المبحث الرابع البند الثالث عشر...وهو الذي يتحدث عن الخصوصية والإختصاص من الله للشخص أو الشخوص المختارين إلهياً لمنصب ومهمة الوصاية في أشياء أخری في حياتهم عدا الخصوصية بالوصاية...وطبقنا ذلك في حالتنا هذه علی هؤلاء الأئمة لوجدنا لهم خصوصيات أخری هامة جداً تجعلهم أولی الناس بهذه الوصاية طالما أختصوا من الله بأشياء أخری في حياتهم:

 

فأولا ً:  هؤلاء الأئمة هم أبناء وذرية علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ووصي النبي وولي المؤمنين والمؤمنات وأبناء وذرية فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وبنت النبي الأكرم (ص) ومحور أهل الكساء...فهل إذن نتاج هذا الزواج الطاهر المبارك الذي تم بأمر مباشر ووحي من رب العالمين...فهل هناك خصوصية وطهر ونقاء أعظم من هذا؟  فالجد خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد الخلائق أجمعين ، والأب هو أمير المؤمنين ووصي خاتم النبيين ، والأم هی سيدة نساء العالمين...فهم إختصوا إذاً من الله بهذه الأنساب الطاهرة وهذه الحجور النقية وهذه الأصلاب الذكية وهذه الأرحام المطهرة الكريمة...فهذا إذاً شرفٌ لم يناله أحد قبلهم ولا بعدهم غيرهم...ولو عرض علينا مائة شخص لنختار منهم خمسة أوصياء مثلا ًعلی الرسالة وأئمة وأولياء بالأنتخاب البشري المجرد وكان من بين هؤلاء المائة خمسة أشخاص هم حفدة نبي وأولاد أمير المؤمنين وسيدة نساء العالمين فهل يبقی هناك شك أي شك في أنهم سيفوزون في هذه الإنتخابات البشرية المجردة وأن البشر سيختارونهم وينتخبونهم بناء علی تلك الخصوصية لهم لهذا المكان والدور والموقع الهام للدين وللرسالة وللأمة ولن يختاروا غيرهم ممن لم يتوفر هذه الخصوصية التي هی من صنع وإختيار الله القدير وليس للبشر دخل فيها...

 

إسمح لنا أيها القارئ هنا أن نلفت نظرك إلی نقطة منطقية هامة وواضحة تماماً...فإذا كان الله تعالی هو الذي أمر بهذا الزواج بين علي وفاطمة (عس) فلأي حكمة سماوية إذن؟  والله هو أحكم الحاكمين ولا يأمر بشئ إلا إذا كان وراءه حكمة إلاهية علياً سامية كما حدث في الأمر الإلهي بزواج زيد بن حارثة من فاطمة بنت جحش ، ثم طلقها ثم زواج النبي (ص) منها بعد ذلك كل هذا كان لحكمة إلاهية علياً أوضحها الله في كتابه الكريم...فالله إذن لا يأمر مباشرة بمثل هذه الأمور الخطيرة إلا لحكمة كبری عظيمة...فما هی الحكمة إذن من أمر الله بالتزاوج بين علي أمير المؤمنين وفاطمة سيدة نساء العالمين؟  هيا أيها القارئ وحاول أن تستنتج لما يرسل الله تعالی جبرائيل ليأمر نبيه بتزوج فاطمة لعليٌ وتتدخل السماء مباشرة في هذا الأمر؟  ولن نستطيع أن نحيط بحكمة الله ولو حاولنا ، ولكن لا مانع من أن نتفكر ونحاول أن نستنتج...هل هذا لمجرد إتمام زواج بين إثنين لأن الزواج سنة الحياة؟  لو كان كذلك لكفی الله أن يقدر الأقدار العادية كما يفعل بين البشر فيقضي بأن هذا لتلك وكن فيكون فيتزوجها بأقدار الله كما يتزوج كل الناس بأقدار وقسمة الله...فما العلة إذن في أن يُنَزل ملك علی الرسول ليبلغه بأمر الله مباشرة ويعلم الرسول (ص) الناس بذلك؟!  الرسالة هنا والحكمة موجهة لمن؟  واضح تماماً أنها موجهة لنا معشر المؤمنين المسلمين....لما...حتی نتفكر لما يفعل الله تعالی ذلك...فالله إذن يريد أن يلفت نظرنا بهذا الحدث وهذا الوحي الإلهي المباشر للنبي (ص) بأن الأمر هنا ليس مجرد أقدار زواج عادية كما يحدث لكل الناس...ولكنه أمر مقصود لحكمة علياً إلهية....فما هی يا تری هذه الحكمة؟   فلنتفكر سوياً...وهذا الزواج لم يستمر في عمر الزمن سوی ثماني سنوات فقط رحلت بعدها الزهراء في ريعان الشباب طاهرة مطهرة إلی ربها...فما هی إذن الحكمة منه حتی يستحق أن يكون بوحی مباشر وأمر من رب العالمين...مهما حاولت وأمعنت التفكير وقلبت الأمور أيها القارئ فستجد نفسك دائماً تتجه وتواجه نفس الحقيقة الواضحة الساطعة وهی أنه لا حكمة واضحة يفهمها العقل وتستحق هذا الإهتمام من الله إلا نتاج وحصاد وذرية هذا الزواج التي يريد الله لها دوراً هاماً جداً ولذا أقام هذا الزواج بنفسه وبأمره حتی ينشأ منه هذا النسل الطاهر الذي سيحمل إلی الأمة أوصيائها وأئمتها والذي سيثمر تلك الثمار القيمة الغالية التي ستحمل عبء الوصاية علی الرسالة بعد نبيها حتی توصلنا لبر الأمان...تماماً كما نصنع بأيدينا الأن في المعامل الزراعية هجينا معينا بين بعض أنواع النباتات وذلك لزرعها ثم الحصول بعدها علی ثمار وبذور من نوع خاص جداً ومميزات نقية مرغوبة ستستخدمها ، مثلا ً في إستخلاص دواء معين هام أو مركب هام مفيد في الصناعة أو الزراعة أو أي وجه من أوجه الحياة الأخری.  وهاكذا هذه هی الحكمة المرئية أمامنا من تزيويج علي بفاطمة بأمر من الله وبوحي من السماء مباشرة...ليثمر هذا الزواج تلك الثمرة المباركة الهامة أفلا يدل ذلك علی أن هؤلاء الأئمة وثمار هذا التزويج الإلهي هم حقاً وصدقاً الأوصياء والأولياء المنتظرين المرتقبين.

 

ولقد سبق وشرحنا كيف أنشأ الله أمة العرب بقدرته المباشرة وأمره المباشر حينما أوحی إلی نبيه وخليله إبراهيم بأخذ إبنه إسماعيل وزوجته هاجر إلی تلك البقعة المجردة من الصحراء ، ثم بناء بيته الحرام هناك.  كل هذا كان لأي حكمة؟  لإنشاء هذه الأمة العربية...لما؟  لتكون حاضنة لخاتمة الرسالات ومكان ظهور خاتم النبيين والمرسلين...فإصطناع الأشياء والأحداث إذن بأمر الله المباشر لا يكون إلا لحكمة عالية غالية هامة...ولو تتبعنا كل الأحداث التي من هذا النوع لوجدنا دائماً نفس الحكمة الإلهية...سارة زوجة إبراهيم تحمل وهی عجوز عقيم بأمر الله...لما؟  إمراءة زكريا حملت وهی عاقر وزوجه شيخ بأمر الله...لما؟...موسی (ع) يلقی في اليم رضيعاً بأمر من الله...لما؟  مريم تحمل في عيسی ولم يمسسها بشر بأمر من الله...لما؟  يوسف يلقی في الجب بأمر من الله...لما؟  أهل الكيف يذهبون إلی كهفهم بأمر من الله...لما؟ أيوب يمرض مرض عضال بأمر من الله...لما؟  يونس يلقی في البحر بأمر من الله...لما؟  تلاقي المسلمين والكفار علی غير موعد بأمر من الله يوم بدر...لما؟ وهاكذا الأمثلة لا حصر ولا عد لها والله بجعله الأمر مباشراً منه يجعل في هذا فلتة لعقولنا لتنتبه وتتبين الحكمة فيه وليس هذا أبداً لإتمام الأمر ذاته...لأن إتمام الأمر لا يحتاج لتدخل الله المباشر والوحي ويكفی فيه كن فيكون ويكفی فيه القدر المقدر...ولكن الأمر هنا مقصود ليلفت عقول أولي الألباب فيتفكروا في حكمة ربهم وقدرة ربهم فيروا القدرة والعظمة والحكمة والنور واضحاً فيتبعوه ويقتنعوا به ويرضوا به دليلا ً تعمَد الله سبحانه برحمته تقديمه لهم ليسهل عليهم الإيمان بأنبيائه ورسله وأوصيائه وأوليائه وحججه وأياته والحمد لله رب العالمين الذي هدانا لهذا وما كنا لهتدي لولا أن هدانا الله.

 

وثانياً:  والإعداد الخاص من الله لهم وتلائمهم بقدراتهم الذاتية الخاصة وصفاتهم وأخلاقهم مع طبيعة أدوارهم هی خصوصية من الله لهم بلا شك وليس كل المسلمين أو المؤمنين لهم تلك الخصوصية والإختصاص من الله تعالی التي تشبه هنا حد المعجزات.  فالخصوصية من الله هنا إذن دليل واضح علی صدق وأحقية الدور والوصاية والإمامة والولاية.

 

وثالثا ً:  ونزول بعض أيات القرءان الكريم فيهم حتی قبل أن يوجدوا ويظهروا وهذا بإجماع كافة المفسرين  المخلصين الصادقين المعتمدين علی أقوال وأحاديث الرسول (ص) والوصي الأول (ص) وخيار الصحابة في التفسير...هی في حد ذاته خصوصية كبری عظيمة من الله تعالی لهم...لم تكن أبداً لغيرهم ومن ذلك أية التطهير (الأحزاب ٣٣)...سورة البينة وسورة الصافات (٤٠ إلی ٦١) ، وسورة الواقعة (١٠ إلی ٢٦ ، ٨٨ إلی ٨٩) ، وسورة الزمر (٧٣ إلی ٧٥) ، وسورة المطففين (١٨ إلی ٢٨) ، وأية المودة في القربی ، وأية الصلاة علی النبي ، وسورة المؤمنون (١ إلی ٦) ، وسورة الفرقان (٦٣ إلی ٧٦) ، وأية المباهلة وغير ذلك كثير جداً.  فعلما تدل هذه الخصوصية وألا تؤهلهم هذه الخصوصية ليكونوا منطقياً الأوصياء والأولياء المنتظرين حتی إن لم يدعوا هذا وإن لم يختارهم الله لهذا ويعلن النبي عن هذا.

 

ورابعاً:  ووجودهم ممثلين في الحسن والحسين تحت الكساء مع النبي (ص) في الرواية المشهورة...أليس خصوصية عظيمة وتكريماً من الله لهم لم يكن لأحد غيرهم؟  وكذا وجودهم مع النبي (ع) يوم المباهلة بأمر من الله تعالی ألم يكن هذا إختصاص لهم من الله تعالی دون غيرهم من العالمين.

 

وخامساً:  وحدوث واقعة مذبحة كربلاء وسقوط معظم العترة والذرية الطاهرة شهداء في سبيل الله وفي سبيل الرسالة والحفاظ عليها إلا من رجل واحد فقط وهو علي بن الحسين زين العابدين الوحيد الذي بقی من بطش الحكام الظلمة والذي يبقی نجاته من الهلاك يومها سراً من أسرار القدرة والعناية الإلهية تحتار في تفسيره الأذهان...فهؤلاء الأشرار الذين قتلوا حتی الأطفال الرضع من أهل البيت وحتی النساء كيف فاتهم قتل علي بن الحسين وهو شاب في الرابعة والعشرين من العمر؟  هذا لا يعلمه إلا الله وإنها لقدرة الله التي أنجت إسماعيل من الذبح وعبد الله من الذبح والنبي (ص) من القتل يوم أحاط المشركين بدارة يريدون قتله...والتي أنجت موسی من فرعون وعيسی من الصلب ويونس من بطن الحوت ويوسف من الهلاك في الجب...إنها القدرة التي تتدخل لتغير المسار المنطقي للإحداث بإعجاز لحكمة علياً...فما هی الحكمة العليا هنا من نجاة علي بن الحسين بهذه المعجزة العجيبة الغريبة التي يقف أمامها المؤرخون والمحللون حائرين مبلبلين...وما سر هذه الخصوصية لهم في إستشهادهم جميعاً وهذا لم يحدث لأحد غيرهم علی الرغم من أنهم أهل بيت النبي والوصي الأول وما كان يمكن منطقياً أن يحدث هذا لهم ولكنها قدرة الله التي أرادت هذا...وما سر هذه الخصوصية لعلي بن الحسين في نجاته من مصير أهله جميعاً وهذا مالم يكن أن يحدث منطقياً في مثل هذه الظروف وقتها ولكنها أيضاً كانت قدرة الله التي أرادت هذا...فلأي حكمة أرادت حكمة الله ومشيئته كل هذا...لا نجد أمامنا إلا حكمة إستمرار الوصاية والولاية من هذا الباب والجانب فقط وإغلاق كافة الجوانب والأبواب الأخری بإستشهاد كافة البقية الباقية من آل محمد والعترة الطاهرة ولعل في هذا حسماً لأمر الوصاية والولاية وتحدد لسلسلة الأئمة والأوصياء من هذا السلسال فقط أي من ناحية علي بن الحسين فقط وفي هذا التضيق منعاً للإختلاف والإفتراق بين المؤمنين علی أئمتهم وأوصيائهم واحد بعد واحد...فهذه الخصوصية إذن من الله لهم هی دلالة علی صدق دعواهم بالوصاية والولاية والإمامة وعلی أنهم هم فعلا ً المنتظرين والمتوقعين لحماية وحضانة الرسالة من بعد النبي (ص) والوصي الأول (ع).

 

وسادساً:  خصوصية تقديس ومحبة المسلمين جميعاً لهم علی إمتداد الزمان وإتساع وتفرق البلدان وتنوع الشعوب حتی من أنكروا إمامتهم ووصايتهم لم ينكروا فضلهم ومحبتهم ومكانتهم الخاصة...فمن أعطاهم تلك المحبة في القلوب تلك القدسية...إنه الله تعالی جلت قدرته وحده خصوصية لهم لم يعطها لغيرهم.  ومَن أعطاهم خصوصية التقديس والمهابة حتی في قلوب أعدائهم إنه الله تعالی فعلما يدل هذا؟!   إننا لو أحصينا أفتراضاً نظرياً عدد من سُموا "الحسن وحسين وفاطمة وعليٌ" من أبناء ورجال المسلمين علی إمتداد الزمان طوال ١٤ قرن وحتی الأن في كافة البُلدان الإسلامية وقارناه بعدد من سُمی بأسماء أخری أبو بكر أو عمر أو عثمان أو خالد إلخ لوجدنا الأول قد تجاوز بمئات المرات...فعلما يدل ذلك؟  إنه يدل بلا شك علی المحبة والقدسية التي يحملها المسلمون علی مختلف بلدانهم وأزمانهم وتوجهاتهم ومذاهبهم وعقائدهم لأصحاب هذه الأسماء من إجلال وتوقير ومهابة وقدسية ولذا فهم يُسمون أبناءهم بها علی مر الأزمان...فمن أعطی هؤلاء الأئمة تلك الخصوصية سوی الله القدير...وهل يقدر علی هذا إلا الله القدير؟  وأليست هذه الخصوصية من الله تقف دليلا ً شامخاً تُرغم أنوفنا ، وتخضع رقابنا علی القبول منطقياً بهم للوصاية والإمامة وعدم القبول بغيرهم ممن لم يكن لهم أبداً تلك الخصوصية والإختصاص من الله القدير.

 

٩)  وعدم إختلاف هؤلاء الأئمة الأحد عشر علی بعضهم البعض أو مع بعضهم البعض وتأييد وتصديق كل منهم للأخر هو دليل منطقي أخر علی صدقهم ووصايتهم وولايتهم تماماً كما كان الحال مع الأنبياء والرسل وإستدللنا منطقياً بتصديق بعضهم البعض وعدم إختلافهم مع بعضهم البعض علی كونهم أنبياء ومرسلين حقاً من الله وعلی صدقهم وصدق رسالتهم ودعواهم وتبليغهم عن الله...ولو أتی جعفر بن محمد الصادق مثلاً وقال بأن علي بن الحسين لم يكن وصياً وإماماً أو لو إختلف الإمام الكاظم في حكم رأي فقهي مع الإمام الباقر لإستدللنا بهذا علی عدم صدقهم وبالتالي شككنا في إمامتهم جميعاً...فإذا كان هذا لم يحدث والعكس هو الحادث وجب منطقياً إذن أن نستدل بهذا علی صدقهم وبالتالي بطلان الشك والتشكيك في إمامتهم جميعاً وحدة كاملة غير متفرقة أو منفصلة أو متشرذمة.

 

١٠)  وتكامل أدوار هؤلاء الأوصياء التي قاموا بها وتناسقها مع بعضها البعض هو دليل منطقي على وصايتهم وإمامتهم وولايتهم...ولو درسنا دور كل منهم الذي قام به على تنوع هذه الأدوار وتفحصناه جيداَ ثم قارناه بأدوار الأخرين لأدركنا على الفور هذا التكامل والتناسق الإبداعي الذي لا يمكن إلا أن يُرسم بيد الروعة الإلهية والإتقان الرباني المُحكم...وهذا في حد ذاته دليل واضح لكل ذي عينين على صدق الوصاية والإمامة والولاية منهم على الرسالة والأمة والدين.

 

 ١١) وحدوث بعض المعجزات العينية لهم التي شاهدها من كانوا معهم بعينيهم وشهدوا عليها وذكرها التاريخ وترددت أصدائها عبر الأزمان...فهذا علي بن أبي طالب يؤخر له غروب الشمس ساعة كاملة حتی يكمل النصر علی عدوه...وهذا الحسين بن علي يقذف بدم رضيعه القتيل إلی السماء وهو يخاطب ربه فلا تسقط منه نقطة واحدة علی الأرض ويشهد حتی أعدائه وقتلته بذلك ويتنبأ بمصارع قاتليه واحداً واحداً فتتحقق نبوته كاملة وبالتفصيل الذي ذكره...وهذا علي بن الحسين يقرأ التسبيح في سجوده فيسمع من معه تسبيح الحجر والحصی وحبات الرمال معه...وهذا محمد بن علي الذي يقهر بعلمه قاض قضاه الخلافة الإسلامية وهو بعد لم يجاوز العاشرة...وهذا علي بن محمد الهادي يلقی للسباع الجائعة فتسجد أمامه وتلعق حذائه...وهذا محمد بن الحسن المهدي يغيب غيبته الكبری والصغری وهو موجود وحي يُرزق عبر الأزمانة ، فما مغزی هذه المعجزات الإلهية لهم...وما ذكرنا هو قليل جداً من مئات المعجزات التي أظهرها الله تعالى على يد كل منهم... وهل نتخذ بعد ذلك أئمة غيرهم ونذهب غير مذهبهم ونلتمس الفقه والعلم والوصاية ممن هم لم يكن لهم مثل هذه الأيات الواضحات من الله التي أقامها لنا دليلا ً لنستدل بها علی صدقهم ووصايتهم وإمامتهم.

 

١٢)  ومجرد وصول علمهم ومذهبهم ونهجهم إلينا وهو الرسالة السماوية الحقة كما أُنزلت من الله عز وجل عبر كل تلك السنين ورغم كل تلك المخاطر والعداءات والحروب من السلطة المستبدة علی عشرات السنين والقرون المتعاقبة ورغم كل الجهود التي بذلت والأموال التي أنفقت لمحو أثارهم والقضاء علی مذهبهم ونهجهم وطريقهم وتبديله وتشويهه ورغم حقد الحاقدين وبغض وكيد الحانقين وظلم الظالمين وإفتراء المفترين وكذب وتزييف المضللين الكاذبين...رغم كل ذلك علی مر كل تلك السنون وصل إلينا علمهم ومذهبهم ونهجهم الذي هو إستمرار الرسالة الحقة سليماً معافاً طاهراً نقياً فكيف حدث هذا إنه معجزة من الله تماماً مثل معجزته في حفظ القرءان الكريم...فهل لو كان الله غير راضياً عن هذا النهج ولو كانوا كاذبين في إدعاءهم الوصاية والإمامة هل كان فعل الله لهم هذه المعجزة وحفظ لنا الرسالة علی يديهم حتی تصلنا بهذا الشكل الكامل النقي المُطهر الغني رغم كل تلك المخاطر التي أحدقت بها ولا زالت حتی الأن...فعلما يدل كل هذا؟  هل يدل إلا علی صدقهم وصدق وصايتهم وولياتهم وإمامتهم؟

 

١٣)  وتتلمذ كافة أئمة المذاهب الإسلامية الأخری علی يديهم وأخذهم منهم ونقلهم عنهم وعدم حدوث العكس أفلا يدل هذا علی أنهم هم الأصل والجذر واللب وأن الأخرين هم الفرع والتقليد والقشر...وإن كان كذلك أفلا يكونون هم إذن الأولياء والأوصياء والأئمة المنتظرين علی الرسالة بلا منازع أو مشارك...إن هذه منطقية واضحة كل الوضوح لا يستطيع أن ينكرها أي عاقل مفكر حكيم.

 

١٤)  ولو رجعنا إلی القضية الثالثة المبحث الرابع البند العاشر...التي تبحث في موقف المستضعفين دائماً مع الوصي الحقيقي والإستدلال بهذا علی صدق هذا الوصي...فلو بحثنا في التاريخ لوجدنا أن هؤلاء الأئمة لم يتبعهم ويقتدی بهديهم ويؤمن بهم إلا المستضعفون والمحرمون والمقهورون والضعفاء...ولم ينصرهم ويقف معهم إلا هؤلاء...ولم يحافظ علی نهجهم ويلتزم به ويدافع عنه علی مر السنين إلا هؤلاء رغم ما كانوا يتعرضون له من السلطة الحاكمة المستبدة وأعداء الدين والرسالة ودعاة التحريف والتشويه في كل زمان ومكان...فمن موقف هؤلاء المستضعفين مع الأئمة نستدل منطقياً علی صدق وصايتهم وإمامتهم وولايتهم علی الرسالة والدين وعلی عموم أمة الإسلام والمسلمين.

 

١٥)  وإستمرار أداء هؤلاء الأئمة لدور الوصاية علی الرسالة والحضانة لها وحمايتها ورعايتها رغم حرمانهم من دور الولاية السياسية الذي يمكنهم من ذلك بل واللازم لهم من أجل ذلك...وياليت الأمر إنتهی عند مجرد حرمانهم بل تعداه لعدائهم ومطاردتهم وعزلهم وسجنهم ثم قتلهم والتأمر عليهم من قبل السلطة السياسية القبلية المستبدة الظالمة...ومع كل تلك الظروف الصعبة القاسية بل والمستحيلة نجدهم يقومون بدورهم علی أكمل وأتم وجه مستغلين كل إمكانيته متاحة فكانوا كمن ينحت في الصخر أو يحفر بيديه في قاع البحر أو يقاتل بلا درع أو سيف أو ظهر...أفلا يدل هذا منطقياً علی أنهم فعلا ً وحقاً أصحاب هذا الدور الهام المكلفين به من الله ولذا فلم يتوانوا مهما كانت الظروف والملابسات والعداءات عن أداءه والقيام به ومهما كلفهم هذا...فإصرار الشخص علی أداء دوره في أصعب الظروف هو دليل منطقي بلا شك علی أنه صاحب الدور الحقيقي والأحق به من غيره ومجرد تعرضهم للقهر يدل منطقياً علی أنهم كانوا يؤدون دور الوصاية ولذا تعرضوا للقهر ولو لم يكونوا يقومون به لتركهم الحكام وشأنهم ولما تعرضوا لهم كما فعلوا مع غيرهم...وأداءهم للدور رغم القهر والتعذيب والحصار هو دليل واضح علی أنهم هم كانوا أصحابه الحقيقيين بلا أدنی شك أو ظن.

 

١٦)  وعدد الأسباط من بني يعقوب والأوصياء من بعده كانوا إثنا عشر...وعدد النقباء في بني إسرائيل كان إثنی عشر وعدد العيون التي إنفجرت لهم كان إثنی عشرة...وعدد الحواريين أوصياء وأنصار عيسی (ع) في بعض الأقوال كان إثنی عشر...وعدة الشهور في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض إثنا عشر شهراً...أفلا تستأنس النفس مع كل هذا إلی أن عدد الأوصياء علی الرسالة الخاتمة من بعد وفاة ورحيل نبيها الأعظم الخاتم هو إثنی عشر أيضاً.

 

١٧)  وإذا كان الله قد كرم آل نوح فجعل من ذريته الأنبياء والرسل...وكرم آل إبراهيم فجعل منهم الأنبياء والرسل...وكرم آل عمران فجعل منهم الأنبياء والأوصياء والرسل...وكرم آل داود فجعل منهم الأنبياء والأوصياء والرسل...فلِما نستكثر علی آل محمد وهو خاتم الأنبياء والمرسلين وخير خلق الله وأحب خلق الله إلی الله أن يكرمهم الله أيضاً فيجعل منهم الأوصياء والأولياء والحجج...إن هذه منطقية معقولة ومقبولة لا يرفضها العقل بل يقبلها ويتذوقها ويستنتجها ويستأنس بها ويرتاح إليها...ولن تجد لسنة الله تبديلا...ولن تجد لسنة الله تحويلا...

 

١٨)  والمدة الزمنية التقريبية التي قضاها هؤلاء الأوصياء الأثني عشر في الوصاية علی الرسالة من بعد النبي الخاتم وهی حوالي ثلثمائة سنة هی المدة المناسبة المعقولة منطقياً حتی تشب الرسالة الخاتمة الضخمة الغزيرة العالمية الشاملة وتترسخ وتثبت أقدامها...فهذا التوافق بين مدة وصايتهم والمدة اللازمة منطقياً لحضانة الرسالة والوصاية عليها حتی تقف علی أقدامها هو في حد ذاته دليل منطقي علی صدق وصاية وولاية هؤلاء الأئمة والأصياء من ورثة بيت النبوة والوصاية.

 

١٩)  وعدم تولي هؤلاء للخلافة وللولاية السياسية علی المسلمين كما كان يفترض وهذا من أقدار الله الحكيمة...هذا في حد ذاته هو دليل منطقي علی صدق وصايتهم علی الرسالة الخاتمة وصدق إمامتهم وإختيارهم من الله...وذلك للأسباب التالية:

 

أولا ً:  إن تولي هؤلاء الأوصياء للخلافة سيؤدي بالتالي إلی عودتهم إلی نهج الرسول (ص) ونهج وصيه الأول...والوقت كان قد أصبح متأخراً جداً لهذا...ولو حدث لأحدث إنقساماً عميقاً بين الأمة ولفجر أعداء الأوصياء والأئمة والرسالة العداء وفجروا ثورة مضادة دموية حرصاً علی مصالحهم الضخمة الذي ستضرر من عودة الأمور في الدولة الإسلامية إلی نهج الرسول الأعظم (ص) ونهج الرسالة الخاتمة الحقيقية...ولو حدث هذا لهدد إستقرار الدولة الإسلامية وبالتالي هدد وجودها من الأساس وأدی إلی إنشقاقها وإنقسامها في وقت هی بعد ناشئة ومحاطة بأعدائها من كل جانب ومن داخلها...وهذا سيؤدي إلی إنهيارها وإستغلال أعدائها الفرصة للإنقضاض عليها والقضاء عليها نهائياً وبالتالي القضاء علی الرسالة الخاتمة وهی مازلت في مرحلة الشبوب والترسيخ...ومن أجل تجنيب الرسالة ذلك كان يجب عقلياً ومنطقياً ألا يتولی هؤلاء الأوصياء منصب الخلافة وأن يمارسوا أدوارهم من وراء الستار وفي ظل أصعب الظروف وأشدها وهذا كان قدرهم الذي لا مفر لهم منه ومن مواجهته والعمل وأداء الدور في ظله.

 

ثانياً:  ولو تولوا الخلافة لأنتفت عنهم صفة منطقية من الصفات التي توقعنا توفرها في هؤلاء الأوصياء والأولياء المنتظرين علی الرسالة الخاتمة وهی الصفة الخامسة عشرة الموجودة في البند ١٥ المبحث الثاني القضية الرابعة لأنهم وقتها لن يكونوا مقهورين مسجونين مقتولين...والأوصياء يجب أن يستوفوا الصفات العقلية التي سبق وأن إستنتجناها سابعاٌ كلها دون نقصان...فمنع الخلافة عنهم إذن حقق لهم هذا الشرط وأكمل لهم تلك الصفة من رب العالمين حتی يستوفوا كل الصفات والشروط دون إستثناء وبذا يسهل علينا التعرف عليهم...وكأن الله تعالی أراد لهم أن يوافقوا العقل والمنطق تماماً...فعدم توليهم الخلافة إذن هو دليل علی صدق وصايتهم وإستحقاقهم للإمامة بإستكمالهم كافة الصفات والشروط اللازمة والمتوقعة عقلياً ومنطقياً لهؤلاء الأئمة والأوصياء المنتظرين المرتقبين.

 

ثالثاً:  ولو تولوا الخلافة لأتبعهم الناس بحكم أنهم أصبحوا الحكام...ولما أصبحوا في هذه الحالة فتنة للناس وحجج لله...لأن الناس ستواليهم لأنهم السلطة المسيطرة والمتحكمة والتي يرهب منها...ولن تكون موالتهم وقتها خالصة لله ولا كلها رغبة في طاعة الله وطاعة الرسالة الخاتمة التي أنزلها...وسيسويها ممالأة الحاكم وبذا لن يتميز الخبيث من الطيب ولا الصادق من المنافق...وهذا يتعارض مع أهم وظيفة للوصاية وهی حفظ الحقيقة وتميزها عن التزييف وفصل الأباطيل والخداع والتزوير عن الحق والنور والصدق واليقين...ولذا كان لزاماً ألا يتوالوا الخلافة...وأن يكونوا مطاردين مقهورين معذبين حتی لا يتبعهم فعلا ً إلا الصادقين المضحين المصدقين المخلصين لله وللرسالة وبذا يحدث التميز المرغوب بين الخبيث والطيب وبين النفاق والصدق وبين الحقيقة والزيف وبين الحق والباطل...ولذا فعدم توليهم الخلافة يدل علی أنهم فعلا ً وحقاً وصدقاً حجج الله وأولياء الله والأئمة والأوصياء علی الرسالة الإسلامية الخاتمة من بعد النبي (ص) ومن بعد الوصي الأول (ع).

 

 

 

ومن البنود السابقة كلها ١ إلی ١٩ نستطيع وبعد التفكر والتدبر ، والتدقيق والتمحيص والتأمل ، وبإستخدام العقل المجرد والفكر السليم والمنطق الإنساني فقط ، نستطيع أن نستخلص ونستنتج الحقيقة التالية التي لا يرقی إليها شك ، ولا تحتمل الظن أو التخمين:

 

 

الإستنتاج الثالث: 

 

          الأئمة الأحد عشر من أبناء وأحفاد علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء وهم: الحسن بن علي ، والحسين بن علي ، وعلي بن حسين ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وموسی بن جعفر ، وعلي بن موسی ، ومحمد بن علي ، وعلي بن محمد ، والحسن بن علي ، ومحمد بن الحسن (عليهم السلام) هم الأوصياء المنتظرين والمتوقعين علی الرسالة الإسلامية الخاتمة من بعد الوصي الأول والمختارين من الله تعالی لهذا الدور وتلك المهمة وأنهم هم الأئمة وأولياء الله  وحجج الله...ولذا يجب علينا منطقياً وعقلياً الأيمان بهم وإلتزامهم وإتباعهم والأهتداء بهديهم والإقتداء بإمامتهم والأخذ عنهم هم فقط...وهذه حقيقة ثابتة واقعة لأنها عقلية ومنطقية وحتمية ولذا فلا يمكن إنكارها أو إثبات عكسها عقلياً أو منطقياً أو واقعياً.

          والأن أيها القارئ الحُر المفكر المخلص العاقل...وبعد ما تقدم...وفي نهاية هذه القضية نستطيع أنا وأنت بعد الإقتناع الكامل المبنی علی العقل المجرد والتفكر والتفكير الخالص وبعد التجرد من كل هوی أو تعصب...أن نشهد بعقولنا وإدراكاتنا وأذهاننا وقلوبنا وبكامل قوانا العقلية والفكرية والتفكرية وبجهودنا الذاتية البحتة ، وبدون فرض أو إلزام من أحد ، وبعد أن ثبت لدينا بالبينة والحجة والبرهان العقلي والمنطقي وحده ، نستطيع أن نشهد ونحن مطمئنون ومرتاحون ومقتنعون بصدق ما سنشهد عليه ونقر وننطق ونعترف به. نستطيع أنا وأنت أن نشهد ونقول بأنه:

 

          لا إله إلا الله الخالق العظيم وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله وخاتم الأنبياء والمرسلين وصاحب الرسالة الخاتمة الإسلامية ا لعالمية الموجهة لكل البشر ، وأن علي بن أبي طالب هو وصي محمد وخليفته وولي الله من بعده علی الرسالة وعلی الأمة ، وأن الأئمة من أبناء وأحفاد علي وفاطمة الزهراء وهم الحسن ، والحسين ، وعلي بن الحسين ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وموسی بن جعفر ، وعلي بن موسی ، ومحمد بن علي ، وعلي بن محمد ، والحسن بن علي ، ومحمد بن الحسن (ع) هم الأوصياء علی الرسالة الإسلامية الخاتمة من بعد علي بن أبي طالب وأنهم الأئمة وأولياء وحجج الله بإختيار الله المباشر لهم لهذا المكان وهذا الدور ولذا فهُم أئمتنا وأوليائنا وحجج الله علينا ونهجهم نهجنا وطريقهم طريقنا ومذهبهم مذهبنا وطاعتهم واجبة علينا لأنها من طاعة الله وطاعة رسوله والله علی ما نقول شهيد."

 

 

وبشهادتك تلك أيها القارئ الذكي المحظوظ السعيد تكون قد إستكملت أركان إيمانك وأتممت صحة وسلامة عقيدتك...ولك أن تسجد الأن حمداً لله ، وأن تحدث له شكراً فالفضل كله له وحده...فهو الذي أنعم عليك بالخلق أولا ً ثم وهبك الحياة ثانياً ثم رزقك ثالثاً وتكفل لك بإستمرار الحياة إلی ما شاء هو ، ثم إختصك وحباك بنعمة العقل والفكر والإدراك والبيان...ففضلك بهذا علی سائر مخلوقاته جماد ونبات وحيوان ، ثم هداك للإيمان به ومعرفته وتوحيده وعبادته وحده لا شريك له وهداك للإيمان بمجمل أنبياء ورسله وبخاتمهم وأخرهم محمد (ع) ثم هداك للإيمان بوليه ووصيه الحقيقي من بعد نبيه وأنجاك من الفتنة الكبری ، ثم ها هو يتم نعمته عليك ويكمل لك تمام حسن عقيدتك ويريك الحقُ حقاً والباطلُ باطلا ً ويشرح صدرك ويهدي قلبك فانقلبت بفضله وكرمه وعطاءه إلی مؤمن مسلم صادق الإيمان مخلص صحيح العقيدة...ولو علمت معنی ذلك أيها القارئ المحظوظ ولو علمت قدر النعمة التي أنعهما الله عليك بعطاءه هذا لطرت فرحاً ولما وسعتك الدنيا ولما كفاك سجود العمر كله لله شكراً ، فإن من ينعم الله عليهم بمثل ما أنعم عليك قليلون جداً علی مر الأزمان.  ويكفيك أيها القارئ السعيد أن تسمع الله بنفسه يقول في الحديث القدسي.  "من علم أنه لا إله إلا أنا وحدي ، وأن محمداً عبدي ورسولي ، وأن علي بن أبي طالب خليفتي ، وأن الأئمة من ولده حججي أدخلته جنتي برحمتي ، ونجيته من النار بعفوي ، وأبحت له جواري ، وأوجبت له كرامتي ، وأتممت عليه نعمتي ، وجعلته من خاصتي وخالصتي ، إن ناداني لبيته ، وإن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته ، وإن سكت إبتدءته ، وإن أساء رحتمه ، وإن فرّ مني دعوته ، وإن رجع إلي قبلته ، وإن قرع بابي فتحته.  ومن لم يشهد أن علي بن أبي طالب خليفتي ، أو شهد بذلك ولم يشهد أن الأئمة من ولده حججي...فقد جحد نعمتي وصغر عظمتي ، وكفر بأياتي وكتبي...إن قصدني حجبته ، وإن سألني حرمته ، وإن ناداني لم أسمع نداه ، وإن دعاني لم أستجب دعاه ، وإن رجاني خيبته ، ذلك جزاؤه مني وما أنا بظلام للعبيد."

 

          فما رأيك في هذه البشارة العظيمة من الله وهذا القدر العظيم والمكانة العالية التي هی لك الأن عند ربك...فاحمد ربك وأشكره وأدعوه أن يزيدك من عطاياه الإيمانية الثمينة تلك وأن يثبتك علی الصراط المستقيم بعد أن هداك إليه حتی تلقاه وتخرج من الدنيا فارً بدينك سالماً غانماً فائزاً...وأدعوه أن يعينك علی مواجهة أعداءه وأعدائك وأعداء الحقيقة الذين سيتكالبوا عليك منذ الأن ليحاولوا أن يثنوك أو يرجعوك وأن يضلوك وأن يزيفوا عليك ويدلسوا عليك حقداً من عند أنفسهم أن أهتديت وضلوا وأن نجوت وهلكوا فهم يريدونك معهم في تيههم وضياعهم وعذابهم...فلا تسمح لهم مهما حاولوا وقد عرفت الحق والحقيقة بفضل الله فاثبت عليها واستعين بالله عليهم...كأنا من كانوا وأياً كانوا تحت أي إسم وفي أي مكان وبأي لغة وبإسم أي مذهب....وأجعل سلاحك بعد الإعتماد والإستعانة بالله وكتابه وهدی نبيه وأوصيائه هو عقلك المجرد وتفكيرك وذهنك وتدبيرك وحكمتك فهذا أمضی سلاح من الله أعطاه لك وهداك به إلی ما وصلت إليه الأن من فضل ونعمة بتمام وكمال الدين والإيمان والفوز برضی وقبول وحب الله رب العالمين الخالق الواحد العظيم...ولقد ضل وضاع الإنسان يوم أن تخلی عن عقله وأوقف فكره وجمده وسمح للأخرين أن يقودوه ويسوسوا عقله ويصيطروا عليه فجعلوه كالمسخ وجعلوه يبدو وكأن لا عقل له ولا فكر ولا منطق ولا إدراك...فجعلوه بذلك كأشر إنسان إن لم نقل جعلوه كأسوأ حيوان...فاللهم إحفظنا من كل من يريد أن يحرمنا من عقولنا ويفسد علينا منطقنا وتفكيرنا...ويموه علينا ديننا...ويزيف علينا في عقيدتنا...ويخرجنا بهذا من إيماننا الحقيقي النقي الذي أردت لنا...ويبعدنا عن صراطك المستقيم الذي هديتنا إليه والحق الذي أريتنا...يا الله إحفظ لنا ديننا وإيماننا صحيحاً ومتيناً ثابتاً قوياً حتی نلقاك وأنت عنا راضٍ ، إنك أنت السميع المجيب...وإنا يإ ربنا علی طريقك الحق سائرون ، وعلی نهج أنبيائك ورسلك سائرون ، وعلی طريق وسنة خاتم أنبيائك ورسلك سائرون ، وعلی هدی ونهج مصابيح الهدی من أوصياء وعرفاء وأئمة دينك ، وحججك علی خلقك سائرون...وإنا في سفينة نجاتك لراكبون وللهداة الذي أرسلتهم مشايعون متبعون ، وسلام علی المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

          والأن أيها القارئ العزيز وحتی يثبت إيمانك ويقينك وتتضح الحقيقة كلها بتمامها وكمالها أمامك سنمضي معك إلی أخر قضية ، في هذا الجزء من تلك الحمم الملتهبة ، التي يلقي الله بها علی الباطل بإذنه فيدمغه فإذا هو زاهق...ولقد أفردنا هذه القضية للإمام الثاني عشر خاتم الأئمة والأوصياء وأخرهم لأن له وضعاً خاصاً إعجازياً يجب أن نوضحه ونتفهمه ونتفهم أوجه العظمة والروعة والحكمة فيه ، ونظهر حقاً لطالما أُخفي وموه ولبس حتی أصبح لُغزاً وغموضاً وإبهاماً ومجهولا ً لمعظم المسلمين مع أنه ركيزة وركن هام من أركان دينهم وعقيدتهم ورسالتهم العالمية الخاتمة الذي يجب أن يحملوه ويقدموه ويظهروه ويوضحوه للناس جميعاً فكيف سيفعلون ذلك وهم في شك وريب وتبلبل وتحير منه...ولذا وجب علينا أن نناقش الموضوع ونتفهمه ونبحثه سوياً...فهيا بنا أيها القارئ العزيز برفقة عقولنا ومنطقياتنا وتفكيرنا الحُر السليم وبديهايتنا الإنسانية المتفق عليها بين البشر أجمعين لنواصل هذه الرحلة في مرحلتها الأخيرة وبعدها نصل لبر الأمان بإذن الله ونستوي علی الجودي وبذا يُقضی الأمر وتتم النعمة ويكتمل النور والفضل ، ونسجد ونقول الحمد لله رب العالمين.