القضية الخامسة:
الإمامُ الثانيّ عشرّ...الغائِبُ المُنّتظرّ
والقائم...الحُجِّةُ بن الحَسنِ المهّديّ (عجل الله فرجه الشريف)
المبحث الخامس: كيفية قيام الأمام المهدي
(عجل الله فرجه الشريف) بوظائف الوصاية والرعاية على الرسالة الخاتمة وهو مغيَب عن
الأبصار والإدراكات الحسية
السؤال
المطروح:
١) هل مِن المُمكن أن يمارس الإمام وظائف الوصاية
ومهامها وهو غائب عن الإدراك الحسي والبصري؟
٢) وكيف
يمكن أو يتصور أن يتم ذلك؟
٣) وبأي طريقة؟
البحث المنطقي للإجابة:
١) مدرب فريق كرة القدم أو كرة السلة أو أي رياضة
أخرى هو يقوم بدور الرعاية والوصاية على فريقه طوال المباراة حتى يوصله إلى النصر
وأفضل النتائج وأحسن وأكمل الأداء. وهو
بإستمرار طول وقت المباراة يقوم بهذا الدور دون إنقطاع ولو للحظة. ولكنه مع هذا هل هو موجود بشخصه وذاته داخل أرض
الملعب؟ لا...إنه مغيب عن أرض الملعب وليس
موجوداً بها وفي معظم أوقات المباراة لا يكاد اللاعبون يرونه لأنهم مشغلون في
اللعب والأداء والمجهود. ولكن هل عدم
وجوده داخل الملعب وعدم رؤية أو مشاهدة اللاعبون له طوال المباراة منعه أو يمنعه
من أداء دوره كوصي وراعي ومُرشد للفريق؟
يُوجه ويُغير ويُخطط ويأمر ويُطاع حتى وهو خارج الملعب. فكيف يقوم بذلك؟ إنه ينقل توجيهاته وتعليماته إلى كابتن الفريق
أو قائدة الموجود داخل الملعب. وهذا بدوره
ينقلها للفريق كله ليلتزم بها...ويشرف على تنفيذ تلك الأوامر. وهذا الكابتن أو قائد الفريق عادةً يكون
محدداًً من قبل المباراة وهو أحد اللاعبين ولكنه أكثرهم خبرة ونشاطاً وخُلقاَ
وذكاءً وشخصية وليس أي لاعب. ولا يطلب من
المدرب خارج الملعب الإتصال بكل لاعب بفريقه على مستوى شخصي ليكلمه ولينقل له
أوامره وتعليماته. ومعروف أنه كلما إزدادت
طاعة الفريق لتوجيهات مدربه وإلتزام كل اللاعبين بها...كلما تحسن أداء الفريق ككل
ووصل إلى أفضل أداء وأحسن نتائج وإزداد الإعجاب به. والعكس صحيح تماماً ، فكلما تمرد اللاعبون على
أوامر مدربهم والوصي عليهم وراعيهم وتقاعسوا عن تنفيذ أوامره وتوجيهاته بحجة أنه
خارج الملعب وليس أمام أعينهم وهم أدرى بشئون اللعب لأنهم داخل الملعب ، كلما
فشلوا وتنازعوا وفقدوا التناغم في الأداء ولعبوا بغير خطة منطقية وبالتالي خسروا
المباراه أداءَ ونتيجةً. وإذا إعتبر
الكابتن أو قائد الفريق أنه هو الذي يجب أن يكون الوصي والراعي وطمع في هذا الدور
وتسلط على زملائه وتمرد وهو ما سيؤدي في النهاية إلى الهزيمة الفاضحة المحققة وسخط
المشاهدين جميعاً. فهذا إذن مثال يقرب
للأذهان إمكانية ممارسة الوصي والراعي لدوره ووظيفته حتى وإن كان غير موجوداً داخل
أرض الصراع وغير مرأي لكل شخص في كل وقت ويوضح أيضاً أحد طُرق الكيفية التي يقوم
بها بذلك وماذا يحدث لو لم يُنصاع له ويُلتزم بما يأمر ويخطط ويوجه ويرشد! وماذا يحدث لو أُطيع وأُستُجيب له ومُكِن من
أداء دوره حتى ولو لم يكن موجوداً بشخصه وذاته داخل أرض الملعب ، ولكنه دائماً
بجوار الخطوط يتابع كل صغيرة وكبيرة ويطلع على كل شئ وينفعل مع كل شئ ويتفاعل مع
كل حدث وطارئ وجديد بتعليمات وتوجيهات وإرشادات جديدة وهدفه كله وهدفه الوحيد الأداء الجيد لفريقه وإحراز النصر
النهائي والحاسم ونجاة الفريق في هذا الإمتحان.
كل هذا في مباراة ، فما بالك لو كانت المباراة هى صراع الحياة كلها ، وإذا
كانت أرض الملعب هى الدنيا من حولنا ، وإذا كان اللاعبون هم نحن أنفسنا وإذا كان
الهدف الفوز والنجاة النهائية والخلود في الجنة ورضى الرب الكريم الذي يشاهد
أداءنا ويسلمنا كأس نجاتنا؟! أفلا نحتاج
إلى المدرب الراعي الذي هو هنا الوصي والإمام الذي يوجهنا وينقذنا حتى وهو ليس في
داخل الملعب بشخصه؟ ولا هو مشاهد طوال
المباراه ولكن وجوده أساسي وجوهري فهو المُحرك والمُنظِم والمُوجِه والمُدبر
والراعي من وراء الستار. وهو الذي مَن
أطاعه فاز ونجى ، ومن تمرد عليه وعصاه خاب وخسر وهوى.
٢) والموجه الجوي الجالس في برج المراقبة الجوية
بالمطار والذي يقوم بمتابعة وتوجيه الطائرات القادمة والمغادرة والهابطة
والمعلقة...هذا الموجه الجوي هو بالنسبة للطائرة وقائدها يقوم بدور الراعي والوصي
حتى تصل الطائرة إلى غايتها بأمان وسلامة لجميع ركابها. فهوا يصدر التعليمات والأوامر والتوجيهات لقائد
الطائرة الذي يطيعه طاعة عمياء لأن في ذلك سلامة الطائرة وركابها ولكن هل هذا
الموجه الجوي موجود داخل الطائرة بشخصه؟
وهل هو مرأي ومشاهد عيانا لقائد الطائرة وطاقمها وركابها؟ بالطبع لا فهو موجود في برج المراقبة في المطار. ولكن هذا لم يمنعه من ممارسة دور الوصاية
والرعاية على الطائرة ومَن فيها...وبالتالي فتواجد الوصي والراعي بشخصه أو عدمه لا
يتعارض أبداً مع قيامه بوظيفة الرعاية والوصاية.
ولكن كيف يمارس ويقوم هذا الموجه بدوره على الطائرة وهو ليس بداخلها؟ إنه يقوم بذلك عن طريق الإتصال الإلكتروني
اللاسلكي مع الطيار والطاقم. وهذا مِن
إكتشافات العلم الحديث الإنساني وهو موجود من قبل وجود الإنسان ولكن الإنسان
إكتشفه فقط وعرف كيف يستخدمه ولكنه في النهاية من معجزات وأسرار الله في كونه سبحانه
وتعالى. ولو بشر إنسان بذلك قبل مائتي سنة
فقط لأتُهِم بالجنون. ولو قام به لأعتٌبر
أنه أتى بمعجزة من الله تعالى. فهذا جزء
فقط من علم الله الذي أعطاه وسخره لنا وهو لا يشكل نقطة من بحور علم الله ، فكيف
إذن بعلم الله الواسع المحيط فهل يُسأَل معه...كيف؟!
وقائد الطائرة هو ينفذ فقط
أوامر وتعليمات وتوجيهات الموجه والمرشد الجوي في برج المراقبة ولا يُسأل لأنه ليس
محيطاً بما يحيط به الموجه الجوي من العلم والتمكين. وأوامر وتوجيهات المرشد الجوي تتغير كل دقيقة
بل كل لحظة بتغير حركة الطيران وحالة الطقس إلخ بل إنها بالطبع تتغير من طائرة إلى
طائرة حسب ظروف حركة الملاحة الجوية والخطوط الجوية. ولو شذ قائد الطائرة عن تنفيذ أي أمر من الوصي
والراعي لحظة بلحظة تنفيذاَ دقيقاً جداً ، لحدثت كارثة في ثواني ضاعت معها الطائرة
وركابها وربما أصطدمت بطائرة أخرى وأصبحت الكارثة مضاعفة. أما لو إلتزم قائد الطائرة بإرشادات وتوجيهات
وأوامر الوصي والموجه بحرحفيتها وبسرعة فستصل الطائرة وركابها إلى أرض المطار
بسلامة دون حوادث أو مشاكل أو كوارث.
فإذا كان كل هذا في رحلة جوية فما بالك لو كانت هذه
الرحلة هى رحلة الحياة كلها...وإذا كانت الطائرة هى الدنيا من حولنا...وإذا كان
الركاب هم نحن أنفسنا وإذا كان الهدف هو الوصول بسلامة إلى بر الأمان والمنتهي
المرغوب والمحدد أفلا نحتاج إلى الموجه والمرشد الجوي الراعي الذي هو هنا الوصي
والأمام الذي يوجهنا وينقذنا حتى وهو ليس داخل الطائرة بشخصه ولا هو مشاهد طوال
الرحلة ولكن وجوده أساسي وجوهري فهو المحرك والمنظم والموجه والراعي من وراء
الستار. وهو الذي من أطاعه فاز ونجى...ومن
تمرد عليه وعصاه خاب وخسر وهوى.
٣) وطبيب الولادة الذي يقوم بمتابعة نمو الجنين في
بطن أمه حتى يولد ويرى النور ويخرج إلى الحياة سليماً ، ويعطيه الرعاية اللازمة
ويشرف على كل تطور وحدث له أثناء فترة الحمل.
هذا الطبيب هو بالنسبة للجنين يقوم بدور الراعي والوصي حتى تتم الولادة
بنجاح وسلامة للجنين وللأُم. هذا الطبيب
يصدر التعليمات والتوجيهات والأوامر بإستمرار للأُم ويكتب لها العلاجات والفحوصات
والتقارير. وهى...أي الأُم...تطيعه طاعة
عمياء لأن في ذلك سلامتها وسلامة جنينها الذي هو في أحشائها. ولكن هل هذا الطبيب الوصي والراعي موجود داخل
بطن الأُم بشخصه وذاته؟ وهل هو مشاهد
ومرأي من قِبَل الجنين المرعي والموصي عليه؟
فالطبيب موجود في عيادته أو مستشفاه ، ولكن هذا لم يمنعه من ممارسة دور الوصاية
والرعاية على الجنين القابع في بطن أمه وبالتالي فتواجد الوصي والراعي بشخصه أو
عدمه مع الموصي عليه والمرعي لا يتعارض أبداً مع قيامه بمهام الوصاية
والرعاية. ولكن كيف يقوم الطبيب بدوره في
الوصاية والرعاية للجنين وكلا منها في مكان مختلف ولا يلتقيان إلا لحظة الولادة
وإتمام المهمة؟!
إنه يقوم بذلك عن طريق نقل
العلم إلى الأُم وعن طريق الفحص المستمر والمتابعة الدقيقة وإصدار التعليمات
والتوجيهات طبقاً لتغير الظروف وعمر الجنين وصحة الأُم وعن طريق الفحوصات الحديثة
الذي يستطيع من خلالها متابعة أحوال الجنين بدقة حتى وإن لم يكن معه أو يراه
بطريقة مباشرة. فمِن أين أخذ الطبيب
العلم؟! ومَن سخر الأُم للطاعة؟! ومن أذن في إكتشاف العلوم التي بُنِيَت عليها
الأجهزة الحديثة للمتابعة والتشخيص مثل الرسم الصوتي والتحليل الجيني والتحليلات
الدموية والأشعات المختلفة. إن ذلك كله
مِن معجزات وأسرار الله تعالى. وهل مع
معجزات وقدرة الله تعالى يُسأَل...كيف!!
وهذا الدليل والبرهان واضح أمامنا ونراه كل يوم مئات ألوف المرات في كل
مكان في الدنيا. ويكفي زيارة لأي عيادة
رعاية للحوامل وتتضح الحقيقة الأعجازية ماثلة أمام عيوننا واضحة جلية...وسبحان
الله الذي هو على كل شئ قدير.
والأُم هى فقط تنفذ أوامر
الطبيب وتعليماته ولا تسأل لأنها لم تُعطي علم الطبيب الوصي ولا هى محيطة بما هو
يحيط به عن طريق أجهزته التي مكنه الله منها وبها يرى ما لا يمكنها أن تراه. ولذا فهى تستسلم لأوامر الوصي الطبيب وتسلم له
القيادة وتنفذ توجيهاته فقط وبدقة. ولوشذت
عن ذلك وعصت ورفضت ولم تنفذ أي توجيه من الطبيب الراعي الوصي لأنعكس ذلك سلباً
فوراً عليها وعلى جنينها...ولأنتهت عملية الحمل والولادة كلها نهاية مأسوية للأم
أو للجنين أو لكليهما...وأما لو إلتزمت إلتزاماً دقيقاً وحرفياً بأوامر وتوجيهات
وإرشادات الوصي المُكلف والمُأهل فستمر فترة الحمل بسلام وتتم الولادة بسلام ويخرج
الطفل إلى النور والحياة بسلام وتقوم هى بعد الولادة بصحة وسلام.
فإذا كان كل هذا في فترة
حمل...فما بالك لو كان هذا الحمل هو صراع الحياة كلها...وإذا كان بطن الأُم ورحمها
هو الدنيا من حولنا...وإذا كان الجنين هو نحن أنفسنا...وإذا كان الهدف هو الخروج
من هذه الدنيا بسلام والولادة في الأخرة بسلام والسكن في دار السلام عند
السلام. أفلا نحتاج إذن إلى الطبيب الراعي
المرشد الذي هو هنا الوصي والإمام الذي يرعانا ويوجهنا بعلمه وبما مكنه منه الله
من قدرات ومعجزات حتى وإن كنا لا نراه بشخصه ولا هو مشاهد أمام أعيننا...إلا أن
وجوده جوهري وأساسي وهو الذي من أطاعه نال بغيته ووصل إلى هدفه ففاز ونجى. ومن تخلف عنه وعصاه خاب وخسر وهوى.
٤) والقائد العسكري
الأعلى الذي يقوم بمتابعة سير المعركة في الميدان وأداء جنوده وجيشه حتى يحقق
النصر ويحسم المعركة وهو يرعى هذا الجيش ويشرف على كل تطور وحدث أثناء
المعارك. هذا القائد العسكري الأعلى هو
بالنسبة للجنود يقوم بدور الراعي والوصي حتى يتم تحقيق النصر وكسب المعركة. هذا القائد العسكري الأعلى يصدر التعليمات
والأوامر بإستمرار للقادة الميدانيين ، وهؤلاء ينفذونها حرفياً مع جنودهم وعليهم
جميعاً الطاعة العمياء لأن في ذلك سلامة الجيش والقوات. ولكن هل هذا القائد العسكري الأعلى هو موجود
بذاته وشخصه في ميدان القتال وسط جنوده ومشاهد لديهم ومعاين بإستمرار؟! بالطبع لا فالقائد الأعلى موجود في مركز
القيادة العامة وفي غرفة العمليات وهذه عادة ما تكون مكاناً سرياً لا يعرفه إلا
القلة القليلة. ولكن هذا لم يمنعه من
ممارسة دور الوصاية والرعاية والقيادة على الجيش والجنود في الميدان. وبالتالي فعدم تواجد الوصي والراعي مع الموصي
عليه والمرعي لا يتعارض أبداً مع قيامه بمهام الوصاية والرعاية والقيادة.
ولكن كيف يقوم القائد العسكري
الأعلى بدوره كوصي وراعي للجيش والجنود وهو ليس معهم وربما لا يلتقون به أبداً
أثناء المعركة إلا بعد أن يتحقق الهدف ويتم النصر؟
إنه يقوم بذلك عن طريق الوسطاء
من الضباط في التسلسل القيادي العسكري الذين ينقلون الأوامر من رتبة إلى رتبة حتى
تصل إلى أصغر جندي وتنفذ...ويقوم به عن طريق خبرته وحكمته وشجاعته وقدراته
العسكرية التي إختير بناء عليها للقيادة...ويقوم به أيضاً عن طريق ما يتوفر لديه
من معلومات مستمرة عن ميدان القتال وما يحيط به وهذه المعلومات تصل إليه عن طريق
الإستخبارات وأجهزة الرصد الحديثة والتنصت والرادارات وصور الأقمار الصناعية...إلخ
ذلك من المستحدثات المعاصرة ويستطيع من خلال تلك المعلومات تغيير الخطط ووضع
البدائل وتبديل التكتيكات والتحركات ثم إصدار الأوامر بذلك كله لما فيه صالح
وحماية الجيش والجنود المكلف هو برعايتهم والوصاية عليهم وقيادتهم حتى تحقيق
النصر.
فمَن أين أخذ القائد العلم
والحكمة ومن ألهمه بها؟ ومَن سخر الضباط
والقيادات لطاعته وتنفيذ أمره والإنقياد له حتى أصغر جندي؟ ومَن أوجد القوانين الطبيعية التي بُنِىَ عليها
إكتشاف أجهزة الرصد والرادار والأقمار الصناعية إلخ؟ إنه الله سبحانه وتعالى القادر على كل شئ ومسخر
كل شئ ومنظم كل شئ ومدبر كل شئ وهل مع قدرة القادر المدبر المسخر العليم المهيمن
يسأل إذن...كيف وبأي طريقة؟!
والضباط والجنود هم فقط ينفذون
أوامر القائد الأعلى وتعليماته ولا يتقاعسون ولا يجادلون لأنهم لم يعطوا علم
القائد الوصي ولا حكمته ولا شجاعته ولا خبرته ولا المعلومات المتوفرة لديه هو عن
جبهة القتال كلها والتي بناء عليها يتخذ قراراته ولذا فهم يستسلمون له وينصاعون
لأوامره وتوجيهاته وقيادته بكل دقة وطاعة.
ولو شذ منهم أحد سواء من الضباط
أو الجنود عن تنفيذ أوامر القائد الأعلى ولو في قرار أو أمر واحد لأنفرط العقد
وسادت الفوضى وبرز التمرد وانتشر ولتمزقت أفرع الجيش وذهب الجنود في ضياع وبدئت
الهزيمة والفشل يدب في النفوس والجنود والرتب ، مما سينعكس سلباً بلا شك على
الميدان وجبهة القتال وينتهي الأمر بهزيمة الجيش المأساوية والفرار من
الميدان. أما لو إلتزمت أوامر القائد
الراعي الوصي حرفيا ونفذت بدقة وتسلسل وسرعة وانضباط ، لتمكن الجيش بلا شك من
تحقيق النصر وسحق العدو والوصول إلى الغاية المرجوه في الفوز والفلاح.
فإذا كان كل هذا في معركة عسكرية ، فما بالك لو كانت تلك
المعركة هى صراع الحياة كلها ، وإذا كان ميدان القتال هو الدنيا من حولنا ، وإذا
كان الجيش والجنود هم نحن أنفسنا وإذا كان الهدف هو الإنتصار على الشيطان والنفس
والشهوات والمضلين وتحقيق الفوز والفلاح المبين برضى رب العالمين؟ أفلا نحتاج إذن إلى القائد الأعلى الراعي
والوصي والمرشد والموجه الذي هو هنا الوصي والإمام الذي يرعانا ويوجهنا ويرشدنا
بعلمه وبما مكنه الله من قدرات ومعجزات وأيات حتى وإن كنا لا نراه بشخصه ولا هو
مشاهد أمام أعيننا. إلا أن وجوده جوهري
وحيوي وأساسي. وهو الذي من أطاعه وإنصاع
إليه انتصر في معركته وفاز ونجى ومن عصاه وتمرد عليه وحاد عنه هُزم وخاب وخسر
وهوى.
٥) وفكرة "التحكم من بعد" أو
"الريموت كنترول"...التي ابتكرها الإنسان حديثاً وبنى عليها الكثير من
المستحدثات والإبتكارات كالطائرة تطير بدون طيار ، والقارب بدون بحار ، والغواصة
بدون ملاح والسيارة بدون قائد ، ومركبات الفضاء بعيدة المدى الإستكشافية ،
والإلكترونيات ولعب الأطفال...إلخ...على ما تقوم هذه الفكرة؟! إنها تقوم على عدم ضرورة التلازم والإتصال
المباشر كشرظ لسيطرة المتحكم على المتحكم به.
فيمكنك أن تتحكم في أي شئ حتى ولم لم تكن أمامه أو بداخله أو بالقرب منه أو
حتى تفصلك عنه أميال وأميال وفراسخ لا حد لها.
ومع هذا يمكنك التحكم في هذا الشئ وتوجيهه. وواضح أمام أعيننا الأن في كثير من المخترعات
حولنا هذه الحقيقة وليس امكانية وجودها ولكن وجودها فعلاً. هذا في تحكم ألة في ألة أو جهاز في جهاز أو
إنسان في ألة أو جهاز وبإستخدام علم أرضي تطبيقي بُني على قواعد وقوانين الهية
كونية أرضية ثابتة استخدمها الإنسان بعد اكتشافها وبنى عليها كل ذلك واستحدث
واخترع وابتكر. ودور الوصاية والرعاية هو
تحكم وإدارة وتوجيه فلما نتعجب من إمكانية ممارسة هذا الدور عن بعد دون رؤية أو
تواجد جسدي مباشر ومنظور وأمامنا هذه الأمثلة الدنيوية المادية. خاصة إذا كان الوصي هو إمام حق وهدى مُمَكن مِن
رب العالمين والموصي عليه هى الرسالة الألهية الخاتمة والبشر أجمعين والموصي
والمكلف هو الأله الخالق الواحد رب العالمين ورب القوانين ورب الكون ورب الإنسان
الذي استحدث المستحدثات وابتكر الإبتكارات ، فأي عجب يبقى بعد ذلك؟
٦) والظواهر الطبيعية المختلفة والمتعددة...هل لا بد
أن نراها لتمارس دورها؟! الكهرباء
والمغناطيسية والجاذبية والحرارة والصوت...إلخ...إنك تشعر بتأثيرها ولكنك لا تراها
وبالمثل البكتريا والفيروسات والفطريات...إنها كلها تؤدي وظائفها التي خلقها الله
تعالى لها دون أن يمكنك أن تراها بعينك المجردة.
فهل عدم رؤيتك لها وعدم مشاهدتها منعها من أن تؤدي وظائفها المختلفة. وبعض هذه الأشياء يؤثر فيك حتى وهو بعيد عنك
مسافات بعيدة جداً مثل ضوء الشمس وحرارتها وجاذبية القمر ومغناطيسية الأرض فكيف
يتم كل ذلك؟ إن هذه كلها أيات شاهدة على
قدرة الله تعالى الخالق الواحد أولا ، وعلى عدم ضرورة الرؤية والتلاصق والقرب بين
المؤثر والمُؤثَر عليه وبين المتحكم والمتحكم فيه وبين الوصي والموصي عليه وتبارك
الله رب العالمين.
٧) والشيطان اللعين يمارس دوره في إضلال
الإنسان. لكن هل هو مشاهد ومرأى
أمامك؟ إنه يوسوس ويحدث ويغوي ويغري ويستفز
ويستذل ويأمر وينهى ويُوجه ويغير ويستثير الشهوات ولكنك لا تراه ولا تشاهده. فهل منعته عدم رؤيتك له من ممارسة دوره
الشيطاني...مجرد سؤال. وكيف يقوم بكل هذه
الأدوار وبأي طريقة؟ إنه يقوم بها بتمكين
الله له من ذلك ، فهو ممكن بقدرة
الله الذي انظره وأمهله وسلطه فكان ما أراده الله وهل مع قدرة الله وتمكينه يُسئل
كيف؟ فإذا كان الله مكن الشيطان من
الغواية والإضلال مع عدم الرؤية فكان ما أراده الله. أفلن يُمكن الله الإمام والوصي من الهداية
والإرشاد مع عدم الرؤية أيضاً فيكون ما أراده الله بقدرته والله يريد للناس
الهداية والإيمان ولا يرضى ولا يريد لهم الكفر والضلال. فإن مكن...فمِن باب أولى أن يُمكن الإمام
والوصي بأضعاف ما مُكِن الشيطان ومع قدرة الله وتمكينه تنتفي الحاجة "لكيف
وبأي طريقة."
٨) ثم الوجود الإلهي نفسه...هل اقتضى الأمر أن ترى
الأله الخالق بنفسك وتشاهده بعينك حتى يقوم الخالق على خلقه ويكون قيوماً ومهيمناً
وراعياً وهادياً ومرشداً ومدبراً وحافظاً إلى أخر هذه الصفات المطلقة الضرورية
لإستمرار وديمومة الحياة والخلق والكون.
٩) والإنتقال التدريجي
بين الأئمة عليهم السلام ما بين التواجد الكامل والمستمر والمتلاصق في أول الأمر
إلى الإقلال التدريجي من هذا التواجد والتلاصق خاصة في زمن الإمامين الهادي
والعسكري عليها وعلى أبائها الطاهرين أفضل الصلوات وأتم التسليم وصولاً إلى الغيبة
الصغرى للإمام القائم (عجل الله فرجه الشريف).
هل هذا أعاق الأئمة عليهم السلام عن القيام بأدوارهم كأوصياء على الرسالة
والأمة أو أحدث فيها أي قصور عما كان يؤديه أباءهم الكرام؟ فإذن المشاهدة الكاملة أو القليلة أو المنعدمة
لا تؤثر أبداً في قيام الأمام الوصي بوظائفه كراعي للرسالة الخاتمة والأمة بكاملها. وإلا لو علم لله أن هذا يؤثر ما كان الأقلال
التدريجي من التواجد والتلاصق ليحدث ولكنه حدث ليبين الله تعالى لنا أن المشاهدة
والتلاصق ليس ضرورياً لأداء الوصي لدوره وليدرب
الأمة على زمان الغيبة حيث الإمام الوصي يؤدي دوره كاملاً ولكنه غائب
تماماً عن المشاهدة والأنظار والتلامس.
١٠) ولا يمكننا هنا إغفال النواحي الإعجازية والغير
إعتيادية طالما أن الموضوع كله إعجازي وإلهي ورباني ، فلا شئ تعجز عنه قدرة الله
تعالى إن كنا أمنا بالله حقاً وبصفاته المطلقة التي هى نفسها ذاته المقدسة.
١١)
وعند مناقشة إداء الوظائف يكفي هنا الحكم
بالنتائج. هل أديت الوظيفة أم لا؟ أما كيفية أداءها فهذا سؤال تكميلي ثانوي تخصصي
، لا يضر إن لم تعرف له إجابة فورية طالما أن الوظيفة تؤدَى وأن الذي يقوم بها
معروف ، وهذا أهم مِن الكيف وتلك منطقية من المنطقيات.
ولنأخذ مثالاً: هل من المهم أن
تعرف كيف يقود الطيار الطائرة؟ أم المُهم
أن تطير الطائرة وتصل إلى غايتها بسلام وأن تطمئن إلى شخص وكفاءة الطيار؟ لا شك أن المهم هو أن تطير الطائرة وتصل بسلام
وأن تطمئن إلى شخص وكفاءة الطيار. أما كيف
يقود هو الطائرة ، فهذا سؤال ثانوي تخصصي عادة لا يخطر على بالك أن تسأله أو أن
تهتم به طالما أن الوظيفة ستؤدي والمؤدي معروف وموثوق به.
هل المهم أن تعرف كيف يعمل
الكومبيوتر؟ أم المهم أن يعمل الكمبيوتر
ويؤدي وظيفته وتطمئن إلى قدرة الجهة التي ستوفر لكومبيوترك الإتصال بشبكة
المعلومات؟ هل قديما عندما لم يعرف الإنسان كيف تتكون السحب وتنزل الأمطار وتتكون البحار
والأنهار وكيف تطلع الشمس وكيف تغيب؟ هل منعته عدم معرفته بالكيف من الإستفادة
بالماء والأمطار والبحار والأنهار والشمس والقمر والليل والنهار؟ وهل عندما لم يكن الإنسان يعلم كيف تؤدي أعضاء
جسده وظائفها هل منعه عدم معرفة الكيف من الإستفادة بوظائف جسمه المختلفة؟
إن المنطق والعقل يقولان أن
أداء الوظيفة ومعرفة مؤديها والثقة به هذا هو المُهِم. أما كيف فيُترك في كل حالة للإختصاصيين
والعلماء وهو ليس سؤالاً مطروحاً للعامة ولكل إنسان ولكنه للخواص. ولذا عندما جعل الله إبراهيم (ع) إماماً
وخليلاً أي أصبح من الخواص. طلب إبراهيم
(ع) من الله معرفة الكيف فقال: "ربي أرني كيف تحي الموتي." فأجابه الله تعالى "أولم تُؤمِن". وهذا يحمل تأكيداً من الله أن الكيف ليس مهماً
ولكن حدوث الإيمان هو المُهِم. فأجاب
إبراهيم (ع) "بلى ولكن ليطمئن قلبي". يطمئن على أني أصبحت من الخواص فإن الخواص هم
مَن يهتمون بالكيف ويطلعون عليه. فأراه
الله الكيف ، فإذا الكيف هو قدرة الله تعالى بكن فيكون فلا يُقال لها كيف ولا أنىَ
ولا بماذا...تبارك الله ذي القوة المتين وهو الملك الحق المبين.
١٢) وأداء الوظائف له طرق كثيرة جداً لا حصر لها
تعتمد كلها على إمكانيات المؤدي للوظيفة وطبيعته وقدراته ، وعلى طبيعة الوظيفة
نفسها ومدتها وحجمها وأهميتها ، ثم على المُكَلِف بالوظيفة الداعي لها والقائم
والمهيمن عليها والموفر لها الإمكانيات والظروف والتسهيلات والقدرات. فإذا كان المُكلف الله تعالى الإله الخالق
القادر، وإذا كان المؤدي هو إمام معصوم قادر مُمكَن بقدرة الله وحي ومحجوب بمعجزة
الله لأخر الزمان. وإذا كانت الوظيفة هى
رعاية وكفالة الرسالة الألهية الخاتمة لكافة البشر على مر الأزمان والدهور. فهل بعد كل ذلك يظل للسؤال عن كيفية أداء
الوظيفة أي معنى أو قيمة حقيقية والمُكلِف إله العالمين والمنفذ خير الخلق أجمعين
بعد أبائه الطاهرين. والوظيفة هى أطول
وأهم وأكبر وأعقد وظيفة ومُهمة لصالح الإنسان والخلق على طوال السنين.
١٣)
وفي
النهاية نورد هذا الحديث:
سُئِل الإمام جعفر الصادق (ع)...كيف يستفيد الناس من
القائم (ع) أثناء غيبته؟ فقال الإمام (ع):
"كما تفستفيدون بضوء الشمس إذا حجبتها الغيوم والجبال عنكم."
ومن البنود
السابقة ١ إلی ١٢
، نستطيع بعد التفكر والتدبر والتدقيق والتمحيص وبإستخدام العقل الإنساني المجرد
والمنطق السليم ، نستطيع أن نستخلص ونتوصل إلی الحقيقة الثابتة التالية التي
لا يرقی إليها أي شك ولا تحتمل التخمين أو الظن:
الإستنتاج الخامس:
إن غياب
الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) عن الإدراك الحسي
والمشاهدة البصرية لا يمنعه أبداً ولا يتعارض مع ممارسته لوظائف الوصاية ومهام الإمامة. وأما الكيف والتصور وبأي طريقة. فهناك طرق كثيرة ولكن يظل أهمها القدرة
الإعجازية من الله والتمكين الإلهي للإمام والتأييد الرباني له مما يجعل الكيف لا
معنى له أمام قدرة الله رب العالمين. وهذه
حقيقة واقعة ثابتة تدل عليها الشواهد والأدلة العقلية والمنطقية ولذا فلا يمكن
معارضتها أو إنكارها أو التشكيك فيها.
وفي نهاية هذه القضية ، نستطيع أيها القارئ الحُر الشريف
المفكر...أنا وأنت أن نشهد شهادتنا الأخيرة التي بها نكون بحمد الله قد وصلنا إلی
بر الأمان ورسوّنا علی شاطئ الإطمئنان وإقتربنا من دار السلام...نستطيع أن
نشهد بعد الإقتناع الكامل المبني علی العقل المجرد والفكر الخالص المُخلص
المتجرد وبعد الإعتماد علی الله أولا ً وعلی عقولنا وقدراتنا التفكرية
فقط ثانياً وبجهودنا الذاتية البحتة ، وبدون فرض أو إلزام من أحد...نستطيع أن نشهد
بقلوبنا وعقولنا وإدراكاتنا وأذهاننا ونحن مطمئنون إلی صدق وصحة ما سنشهد
عليه ونقر وننطق ونعترف به المطلقة...نستطيع أنا وأنت أن نشهد ونقول بأنه:
”لا إله إلا الله الخالق العظيم وحده لا شريك
له لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد...وأن محمداً عبده ورسوله وخاتم الأنبياء
والمرسلين وحامل الرسالة الإسلامية العالمية الشاملة الخاتمة والملزمة لكل الناس
وأن الأوصياء علی الرسالة الإسلامية من بعد نبيها هُم أثنی
عشر...أولهم هو علي بن أبي طالب ثم الحسن بن علي ثم الحسين بن علي ثم علي بن
الحسين ثم محمد بن علي ثم جعفر بن محمد ثم موسی بن جعفر ثم علي بن موسی
ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم محمد بن الحسن المهدي...وأنهم
الأئمة والأولياء بأمر الله وأن طاعتهم واجبة ملزمة لأنهم الأوصياء علی
الرسالة الخاتمة...وأن خاتمهم وهو الإمام المهدي المنتظر هو موجود الأن ولكنه غائب
عن الأنظار والأبصار...وأنه إمام الزمان بقدرة الله وهو القائم علی شئون
الرسالة الخاتمة والوصي عليها...وأنه سيعود للظهور بعد الغيبة بقدرة الله في أخر
الزمان...ليقيم حكومة الله في أرضه وينصر المظلومين والمستضعفين بإذنه...وأنه
سيملاء الأرض قسطاً وعدلا ً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً بإذنه...ولقد شهدنا بهذا
وأمنا به وصدقناه...ولو أدركنا ولحقنا زمن ظهوره فسنكون من أعوانه والمؤمنين به
وجنوده وسنفديه بأبداننا ودمائنا وأموالنا...والله علی ما نقول
شهيد...واللهم إكتبنا مع الشاهدين."
والأن
يا قارئنا المؤمن الصادق الموحد الطاهر...فلتسجد أولاً وقبل كل شئ حمداً وشكراً
لله أن هدانا لهذا ، وما كُنا لنهتدي لولا أن هدانا الله...
الأن
والأن فقط قد أكملت إيمانك ودينك وتَمت نعمة الله عليك كاملة وإرتضی الله لك
الإسلام ديناً...وتستطيع أخيراً أن تنم وأنت هادئ البال فالدنيا كلها بين يديك
صاغرة وأنت أغنی الأغنياء فيها وإن كنت فقيراً أو محروماً ، وأنت سيّدها وإن
كنت مستضعفاً أو عبداً مقهوراً ، وأنت بحق الأن خليفة الله في الأرض ولقد خلقها لك
وليس لغيرك ، وعليك واجبات كثيرة تجاهها ، فلتعلي فيها كلمة الله وشرعه وأحكامه ،
ولتدعوا الناس إلی عبادته وتوحيده وتنزيهه ، ولتشع أنوار الإيمان الصادق منك
علی الأخرين ولتكن مناراً لهم وللتائهين والحائرين والمترددين ، ولتتحدی
وتتصدی للظالمين والمفسدين والمستكبرين والمنافقين والكافرين فهؤلاء هم
أعداء الله والدين وأعدائك فقف لهم وأصرخ في وجههم وتحداهم وأفضحهم وقاتلهم إن
إستطعت ، هؤلاء هم بذور الشر والفتنة وسبب عذاب الإنسانية ، ومراتع الشطاان الخصبة
، وكلما تصديت لهم وكففت ظلمهم وأصلحت من ورائهم فإنك بهذا ترضی الله وترضی
إمام الزمان ووصي الرسالة الخاتمة والدين عنك وتمهد له أمره وتساعد في ذلك عندما
يحين الوقت ويظهره الله...ولتعمر في هذه الأرض بالحق فأنت أولی بهذا والأرض
كلها خلقها الله لك أنت أيها المؤمن الصادق وأنت خليفة فيها فلتأخذ حقك بيدك
ولتستصلحها بالعمل الدؤب المخلص وفي كل المجالات وطلب العلم وبالإستعانة
بالله...وضع يدك في يد المؤمنين من أمثالك وكن معهم وتعانوا علی البر والتقوی
وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر كما أمر الله تعالی ولا تبغي في الأرض علواً
ولا فساداً...وتسلح بالصبر وحسن الخلق وضع الشئ في محله ولا تضعه في غير
محله...وإياك والإنسياق وراء نعيم وترف الدنيا فإنه باب كل المهالك فعليك ببساطة
العيش والقناعة والرضا بما قسم الله والنظر دائماً إلی ما في الأخرة ولا
تحيد عينك عنه وحاول تعمير أُخراك بالعمل الصالح والصدقات وإياك والتعصب إلا لله
وحده فقط وحِق الحق دئماً ولو علی نفسك وكن عادلا ً ولو مع عدوّك وأنصر
المظلومين والمستضعفين وكن معهم ولهم ، وكُف لسانك وشهواتك وأعمل عقلك كثيراً ولا
تنسی أن الله جعل فيه نجاتك وميّزك به عن غيرك وأوصلك به إلی تمام
دينك وإلی بر أمانك وإلی شاطئ نجاتك...ولتتمسك بسلسلة إيمانك بدءاً من
ربك الخالق الواحد نهاية إلی وصيّك الخاتم المهدي المنتظر...فهذه العروة
الوثقی التي لا إنفصام لها وهذا هو الكتاب كله...وهذا هو الصراط المستقيم
صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والمرسلين والأوصياء والأئمة والأولياء ومن
أمن بهم وصار علی نهجهم ودربهم ، وإياك أن تفرط بهذه السلسلة أو بأي حلقة
منها فإنها يشد بعضها بعضاً وهی قائمة علی بعضها البعض وهی التي
تشدك إلی خالقك وربك وتربطك به وتقيم بينك وبينه الصلة الحية المستديمة
المباركة الحقة وهذه الصلة هی ضمان نجاتك ، فلئن زللت هداك للإستغفار
فاستغفرت فغفر لك، ولئن وقعت أنهضك ، ولئن أخطأت نهك وصححك ، ولئن عثرة أعانك ،
ولئن قابلت شدة فرّجَ عليك ، ولئن دعوته إستجاب لك ، ولئن ذكرته ذكرك ، ولئن أذنبت
إليه عفا عنك ، ولئن ضللت هداك ، ولئن نسيت ذكَرك ، ولئن طرقت بابه فتح لك ، ولئن
إستعنت به أعانك ، ولئن إسترزقته رزقك ، ولئن إسترضيته رضا عنك ، ولئن إبتعدت عنه
إنتظر عودتك ، ولئن غضبت هدء نفسك ، ولئن حزنت سری عنك ولئن قلقت وأهتممت
فرّجَ قلقك وهمك ، ولئن عزمت حفظك ، ولئن توكلت عليه كان وكيلك ، ولئن إستنصرت به
نصرك ، ولئن خرَجك رعاك ، ولئن قعدت أنسك ، ولئن نمت سهر عليك ، ولئن قمت بادرك ،
ولئن مرضت شفاك ، ولئن توجعت أثابك ، ولئن صليت وصلك ، ولئن تزكيت شكر لك ، ولئن
صمت تقبل منك ، ولئن حججت رحب بك وإستضافك ، ولئن تقربت إليه شبراً تقرب إليك
ذراعاً ، ولئن تقربت إليه ذراعاً تقرب إليك باعاً ، ولئن أتيته تمشي أتاك هرولة ،
ولئن أقسمت عليه أبرك ، ولئن بكيت من خشيته أمّنك ، ولئن أحببته أحبك ، وإن أخلصت
له رفعك وأعّزك ، ولئن جاهدت في سبيله أيّدك وملكك ، ولئن قاتلت في سبيله رمی
لك ، ولئن لجأت إليه لم يخيّبك ، ولئن ناديته قال لبيّك وسعديّك ، ولئن إستجرت به
أجارك ، ولئن إستعذت به أعاذك ، ولئن تفكرت فيه ألهمك ، ولئن مددت يدك إليه ملاءها
لك ، ولئن خشيته وإتقيته زاد من نورك وبهاءك ، ولئن تزينت له جمّلك ، ولئن تعطرت
له حبّبك ، ولئن لم تجعل في قلبك وحياتك إلا هو أسعدك وأراحك ، ولئن عفوت عفا عنك
، ولئن رحمت رحمك ، ولئن إقتصصت نصرك ، ولئن كظمت إنتصر لك ، ولئن مشيت حفظك ،
ولئن سافرت ردّك ، ولئن تزوجت بارك لك ، ولئن حكمت أمضی حكمك ، ولئن أنجبت
أكرمهم لأجلك ، ولئن سألت أجابك ، ولئن صبرت واقتنعت أهنئك وكفاك ، ولئن أطعته جعل
كل شئ في طاعتك ، ولئن تواضعت وخشعت له وقرّك ، ولئن عبدته وتعبدت له تقبل منك
ومكّنك ، ولئن رفعت كلمته أخاف الناس منك ، ولئن وصلت رحمك من أجله أطال عمرك ،
ولئن سجدت له دنا منك ، ولئن بلغت الكبر عافاك وأغناك ، ولئن إستغنيت به متعك ،ولئن طلبت لقائه طلب لقائك ، ولئن إحتضرت هوَن عليك
وأراك في الجنة مكانك ، ولئن مت صلى عليك ، ولئن دخلت قبرك ثبتك بالقول
الثابت وجعل قبرك روضة من رياض الجنة.
فإذا نفخ في الصور أنشرك في أحلی صورك وأعطاك كتابك في يمينك ،
وأمّنك من الفزع وبيّض وجهك ، ثم يسّر عليك عرضك وحسابك وسهّل لك عبور الصراط
وأجازك ، وشفع فيك نبيك وأوليائك ، ثم أوردك علی حوض محمد (ص) لتشرب منه
بيدك ، ثم ناداك لتدخل الجنة في زمرة محمدٍ وآله فهُم أحبابك ، وألقاك رضوان وخزنة
الجنان فقالوا سلام عليك ، وأدخلوك في أعلی عليين فهنيئاً لك ، ورأيت جنة
النعيم فسُرّت عينك ، وأصبت الفردوس الأعلی ففرح قلبك ، ثم تسكن في دار
الجلال ما أسعدك...في الجنة ما أسعدك...في جنات
عدن ما أسعدك...لتبقی فيها خالداً أبداً ما أسعدك...برفقة الصالحين
الطاهرين الأبرار ما أسعدك...بمعية المقربين ما أسعدك...بصحبة محمد وآله ما
أسعدك...بقرب ربك ما أسعدك...بجوار ربك ما أسعدك...بحب ربك ما أسعدك...وما يلّقاها
إلا الذين صبروا وما يلّقاها إلا ذو حظٍ عظيم...
فالسلام
عليك أيها القارئ المؤمن الصادق ورحمة الله وبركاته ونسألك الدعاء وإلی
اللقاء إن شاء الله في جنة عرضها كعرض السموات والأرض أُعدّت للمتقين...وإلى
اللقاء إن شاء الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر...وإلی اللقاء إن شاء الله
في زمرة المتحابين بالله الذين إجتمعوا عليه وافترقوا عليه والسلام عليك أيها
النبيّ الخاتم ورحمة الله وبركاته...
والسلام عليك أيها النبيّ
الخاتم ورحمة الله وبركاته
والسلام عليكم أيها المرسلين
جميعاً ورحمة الله وبركاته
والسلام عليكم أيها الأوصياء
والأولياء والأئمة جميعاً ورحمة الله وبركاته
والسلام عليك أيها القائم المنتظر
المهديّ وعجّل الله تعالی فرجك الشريف
ورحمة الله وبركاته وجعلنا
الله من أعوانك وجنودك والذابين عنك
والمُستشهدين بين يديك
والسلام علينا وعلی عباد
الله الصالحين ورحمة الله وبركاته
والسلام علی من إتبع
الهُدی إلی يوم الدين
والسلام علی ملائكة الله
أجمعين
والحمد لله رب العالمين!